أردوغان رهينة استراتيجيته 2023

عزت سعد
عزت سعد

آخر تحديث: الجمعة 20 نوفمبر 2020 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

إن المراقب للسياسة الخارجية التركية لابد أن يستوقفه هذا الكم الكبير من التدخلات الهدامة سواء لدعم جماعات الإسلام السياسى وبناء محاور إقليمية ارتباطا بأيديولوجيته أو الانخراط فى صراعات إقليمية عديدة، بما فيها مواجهات مسلحة، لم تعد مقصورة على سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط، بل امتدت لتشمل منطقة جنوب القوقاز حيث الحرب الدائرة بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناجورنو كاراباخ. واللافت فى كل ذلك أنه بالرغم من التداعيات الكارثية لهذه السياسة على الاقتصاد التركى، فإنه لا يبدو أن أنقرة مستعدة لإعادة النظر فى سياستها أو بذل جهود جدية لاحتواء خلافاتها وصراعاتها أو حتى التخفيف منها، على الرغم مما أدت إليه من توترات وعداوات شملت أطرافا عديدة على رأسها الاتحاد الأوروبى الشريك الاقتصادى والتجارى الأكبر لتركيا.
ويقدر العديد من المحللين أن السر فى إصرار أردوغان على المضى قدما فى تنفيذ هذه السياسة يكمن فى هوسه بالفوز بالانتخابات الرئاسية المقرر أن تجرى فى يونيو 2023، والتى تسبق الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية التركية فى أكتوبر من العام نفسه، وهو ما بات محور سياسة أردوغان ورغبته العارمة فى تجاوز إرث كمال أتاتورك، بل محوه إن أمكن ذلك، على غرار تحويل «آيا صوفيا» مجددا إلى مسجد فى يوليو الماضى. ومن ثم يطمح الرئيس التركى فى أن تحل الذكرى المئوية ولديه ما يجعله يدعى أن تركيا باتت صاحبة نفوذ وهيمنة على الساحة العثمانية تحت قيادته.
***
وسعيا وراء هذا الإرث، جاءت استراتيجية أردوغان (2023)، والتى تعبر عن فكر النخبة السياسية المحيطة به من غلاة الإسلاميين والقوميين المتطرفين المتحمسين لتوجهاته الخارجية، لتشمل ليس فقط تنفيذ قرارات اتخذها ببناء مستشفيات وجسور ومطارات وصناعات عسكرية، بل أيضا مغامرات خارجية شملت جبهات متعددة بما فيها شرق المتوسط وليبيا وسوريا وجنوب القوقاز ومواقع عديدة فى إفريقيا أصبح لتركيا وجود عسكرى فى بعضها. ويقود الائتلاف الحاكم البلاد فى هذا الاتجاه، من خلال سياسة خارجية يحكمها عدد من المحددات على رأسها التطلعات الشخصية لأردوغان وأحلامه السلطوية والمسألة الكردية، والقيود الاقتصادية ــ عامل التوازن الجيوسياسى بين روسيا والغرب وإعادة الاصطفاف الإقليمى.
وفى تقدير هؤلاء المحللين ــ بمن فيهم الأتراك ــ تكمن معضلة أردوغان فى أنه فى الوقت الذى يرتبط فيه الاقتصاد التركى بالغرب بشدة ويعتمد عليه اعتمادا كبيرا، استثمارا وتجارة، منذ توقيع أنقرة اتفاق اتحاد جمركى مع بروكسل عام 1995 بفضله شهدت البلاد تقدما اقتصاديا ومجتمعيا كبيرا جعلها خامس أكبر مصدر للاتحاد الأوروبى، رفع الرئيس التركى شعار الاستقلال الذاتى الاستراتيجى لسياسته الخارجية والحد من اعتماد بلاده على الغرب. وقد كشفت أزمة «كوفيد ــ 19» والتى ضربت الاقتصاد التركى بقوة هذه المعضلة.
وفى سياق البحث عن إرث، بدأ نظام أردوغان فى إنشاء القواعد العسكرية، والإدعاء بحقوق بحرية ليست له قانونا، والتحرك فى اتجاهات مختلفة دون قيود أو ضوابط بدعوى تحقيق المصالح التركية. وأقام أردوغان سياساته فى شرق المتوسط وليبيا، والتى صيغت بواسطة ضباط قوميين متطرفين، على عقيدة ما يعرف بـ«الوطن الأزرق» كمفهوم جديد للدفاع الوطنى التركى، والذى لم يعد فيه «الوطن» يشير إلى الأرض وحسب، بل أيضا إلى البحر أو «الوطن المائى». وانتشر التعبير فى مارس 2019 عندما أطلق الأسطول التركى على أضخم مناورات أجريت فى شرق المتوسط مصطلح «الوطن الأزرق». وجاءت هذه المناورات ردا على إعلان قيام منتدى غاز شرق المتوسط بمصر فى يناير من نفس العام. وانسجاما مع مفهوم «الوطن الأزرق» وقع أردوغان مذكرة التفاهم الشهيرة حول ترسيم الحدود البحرية فى المتوسط مع حكومة السراج فى 27 نوفمبر 2019 والتى كانت الذريعة لزيادة الدعم العسكرى التركى لحكومة الوفاق من خلال توقيع مذكرة تفاهم ثانية فى ذات التاريخ لهذا الغرض.
***
وهكذا أعطى أردوغان الأولوية للانتخابات الرئاسية المقبلة كأساس لسياسته الخارجية، مصمما على تجاوز إرث أتاتورك، بل ومحوه إن أمكن، وهو ما يجعل هذه الانتخابات إرثا لا يمكن أن يخسره. وبالمثل، يطمح أردوغان أن تؤكد الذكرى المئوية هيمنة تركيا واستعادتها نفوذها فى الساحة العثمانية السابقة. ويمكن قراءة الكثير من تحركات أردوغان فى هذا السياق ومنها:
• خطابه فى 20 أغسطس الماضى الذى قال فيه: «فتح الله لنا بابا على موارد لم نر مثلها من قبل... لقد اكتشفنا أكبر حقل غاز طبيعى فى تاريخ تركيا فى البحر الأسود يقدر مخزونه بنحو 320 مليار متر مكعب... إن إنتاج وتوزيع الغاز على المواطنين وتصديره للخارج سيبدأ عام 2023 الذى يشهد الاحتفال بمئوية الجمهورية التركية» وأضاف أردوغان: «هذا الاكتشاف له أهمية تاريخية لمستقبل تركيا... ونحن مصممون على تصعيد عمليات استكشاف مصادر الطاقة فى البحر المتوسط قبل نهاية العام الحالى... وحل قضيتنا فى مجال الطاقة... لن نتوقف حتى نصبح مصدرين للطاقة».
وفى إطار البحث عن إرث قال أردوغان فى خطاب آخر بعدها بأيام إن بلاده تهدف إلى جعل إسطنبول مركزا للتمويل وللاقتصاد الإسلامى، وإنها «قريبة جدا من أن تصبح ضمن أكبر عشر اقتصادات فى العالم... من خلال سفينة الفاتح (صاحبة الاكتشاف الأخير للغاز) التى نعيش بفضلها فرحة اليوم».
ويعلم أردوغان أن الاكتشاف المعلن عنه والذى يمثل أقل من ثلث احتياطى غاز حقل ظهر المصرى، لن يغير من الحقائق على الأرض كما لن يكون له أى تأثير على مدفوعات تركيا السنوية لاستيراد الغاز الطبيعى (نحو 41 مليار دولار سنويا) والتى ستكون أبعد ما تكون عن تحقيق الاكتفاء الذاتى لعقود قادمة وفقا للمحللين وخبراء صناعة الطاقة. ولا تخلو أسماء سفن المسح السيزمى والتنقيب والاستكشاف التركية التى تجوب البحر الأسود والمتوسط من دلالة مثل «الفاتح» «السلطان محمد الثانى»، «ياووز»... إلخ.
• قرار أردوغان تحويل أيا صوفيا إلى مسجد مجددا والذى انطلق بصورة أساسية من اعتبارات داخلية، لكنه صب أيضا فى إطار حلم أردوغان بقيادة العالم السنى. وقد جاءت النسخة العربية من الإعلان الصادر عن الرئاسة التركية على ذكر تحرير المسجد الأقصى، بما يتفق وأحد أهم التطلعات السياسية للإسلام السياسى التركى، حيث حاول نظام أردوغان من خلال هذه الخطوة تقديم تركيا كصاحبة سيادة ووصية على التراث الإسلامى. وقد ساهم رد الفعل الغربى الضعيف على القرار، وتأكيد الرئيس بوتين على أنه قرار سيادى يخص تركيا رغم استياء الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التى تعتبر نفسها الزعيمة الروحية للعالم الأرثوذكسى، فى تعزيز صورة تركيا لدى الأتراك العاديين على أنها بلد يتعذر وقفها ــ كما تردد النخبة المحيطة بأردوغان ــ كقائدة لحضارة إسلامية صاعدة.
• اتفاق أردوغان مع نظيره الروسى على افتتاح مفاعل نووى عام 2023، ضمن مفاعلات أربعة تعاقدت روسيا على بنائها لتوليد الكهرباء عام 2014، رغم الصعوبة الشديدة لذلك عملا.
• مغامرات تركيا فى شرق المتوسط وتدخلها فى ليبيا والذى يتسق مع استراتيجية أردوغان 2023.

***

وتجدر الإشارة إلى أنه من المنظور التركى، يعد دعم حكومة طرابلس ضروريا لمواجهة مجموعة من القوى المعادية العازمة على احتواء نفوذ تركيا الاستراتيجى والاقتصادى فى حوض المتوسط وفى الشرق الأوسط عموما. وقد أشار تقرير مجموعة الأزمات الدولية عن الأزمة الليبية (إبريل 2020) إلى أن مصر على رأس هذه القوى حيث تعتقد تركيا أنها تقود حملة لاحتواء النفوذ التركى فى سائر أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ثم تأتى كل من اليونان وقبرص ــ مدعومتين من الاتحاد الأوروبى ــ ومعهما إسرائيل، لحشر تركيا فى زاوية صغيرة من البحر الأبيض المتوسط، وبالتالى إقصاؤها عن مشاريع النفط والغاز التى يمكن أن تكون مهمة من الناحية الجيوسياسية أيضا». وتعتقد أنقرة أن سياساتها فى ليبيا لا تنفصل عن رغبتها فى اختراق مثل تلك العقبات المفروضة عليها.
وبالنسبة للانخراط العسكرى التركى فى الصراع العسكرى الذى دار بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناجورنو كاراباخ، فقد أشارت دلائل كثيرة إلى أن انفجار هذا الصراع كان مخططا له سلفا بين تركيا وأذربيجان كواحد من خيارات تحريك هذا الملف. ومن ذلك مثلا التعاون العسكرى المتواصل بين أذربيجان وتركيا منذ عدة سنوات وإرسال تركيا مرتزقة من شمال سوريا وليبيا قبل وأثناء تفجر الصراع عسكريا.
وجاءت آخر مغامرات أردوغان فى 15 نوفمبر الحالى عندما زار مدينة فاروشا فى شمال قبرص مؤكدا رفضه المطلق لوحدة الجزيرة وتصميمه على حل الدولتين على خلاف قرارات مجلس الأمن الدولى.
والخلاصة أنه ابتداء من عام 2013 وتحديدا مع سقوط نظام حكم الإخوان المسلمين فى مصر، بدأت تركيا فى الدخول فى دوامة من الأزمات السياسية المتعاقبة التى ولدت مشهدا سياسيا مختلفا تماما عن المشهد الذى اتسم به العقد السابق. وبخلاف تحالف أردوغان الوثيق مع قطر منذ فترة طويلة، تدهورت علاقاته ليس فقط بمصر بل أيضا بالسعودية وبالإمارات العربية المتحدة، وتصاعد هوس أردوغان بقيادة العالم الإسلامى السنى وأصبحت سلطته فى تركيا شخصية بشكل متزايد. وتم تقنين ذلك وإضفاء طابع مؤسسى عليه فى وقت لاحق عندما قام بتعديل الدستور بما يسمح بتغيير النظام السياسى فى تركيا من نظام برلمانى إلى رئاسة تنفيذية عليا، وهو ما تطالب المعارضة اليوم بالتراجع عنه.
وعلى الصعيد الدولى، أصبحت السياسة الخارجية التركية مثقلة بالأعداد المعقدة والمتزايدة من الأزمات الإقليمية المتشابكة، لا سيما فى سوريا وفى ليبيا وفى شرق المتوسط، وهو ما تزامن مع تدهور علاقات تركيا بالغرب بسرعة مقابل تحسن وقتى فى علاقاتها بروسيا بعد انخراط أنقرة فعليا فى عملية توازن جيوسياسية ما بين روسيا والغرب. وكان شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخى S ــ 400 الروسية هى ذروة شهر العسل فى العلاقات التركية الروسية ونقطة متدنية فى العلاقات التركية الغربية. وقد حملت هذه التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية البلاد بأعباء وضغوط اقتصادية كبيرة فاقم منها أزمة «كوفيد ــ 19».
وهكذا وبدلا من إدراك أردوغان أن مصالح بلاده الاقتصادية تتطلب حدا أدنى من علاقات حسن الجوار واحترام القواعد الدولية المتعارف عليها، باتت علاقاته الإقليمية والدولية صراعية حول العديد من القضايا. وقد راهن أردوغان على الانقسامات داخل البيت الأوروبى، حيث فشلت بروكسل فى تشديد العقوبات على أنقرة خلال قمتها الأخيرة فى أكتوبر الماضى، كما راهن على ترامب الذى فرض على الاتحاد الأوروبى المنقسم على نفسه التصرف بحذر وتردد إزاء تركيا كى لا يدخل فى مزيد من الصدام مع إدارته، وبقيت مشاكله بشكل رئيسى مع المؤسسات الأمريكية الأخرى ــ بما فيها القضاء ــ دون حل انتظارا لتولى الإدارة الجديدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved