خطورة الانتقائية فى مواقفنا فى الاقتصاد والسياسة والثقافة

مصطفى كامل السيد
مصطفى كامل السيد

آخر تحديث: الأحد 20 ديسمبر 2020 - 8:50 م بتوقيت القاهرة

الانتقائية سمة أساسية للمواقف التى نتخذها فى العديد من المجالات سواء تعلق الأمر بتقارير المنظمات الدولية أو مؤسسات الدول الأجنبية أو قضايا الاقتصاد والسياسة أو حتى فى الجدالات الكبرى فى عالم الثقافة، وفى سلوكنا فى الحياة اليومية، ويستوى فى ذلك عامة الناس والمثقفون. صحيح أن الانتقائية مريحة على المستوى النفسى فنحن نختار ما يعجبنا فى كل هذه المجالات، ونترك ما لا يعجبنا، ومن ثم نتجنب مراجعة السياسات وأنماط السلوك، حتى ولو كانت هذه المراجعة مفيدة لنا فى الأجل البعيد. ولكن إذا كانت هذه الانتقائية أمرا خاصا فى حالة الأفراد، وأثرها متروك لهم، فهى لها آثار سلبية فى حالة الحكومات، فقد تؤدى إلى استمرارها فى اتباع سياسات خاطئة تعود فى النهاية بالضرر عليها وعلى المواطنين.
الانتقائية هنا تختلف عن ازدواجية المعايير، فقد يكون تبرير ازدواجية المعايير هو أن مجالات الحكم على الأمور ليست واحدة وليست متشابهة، ومن ثم فالمعيار الذى قد يكون مناسبا فى مجال، قد لا يكون مناسبا فى مجال آخر. المتحدثون باسم الحكومة الأمريكية مثلا يأخذون بهذا المنطق عندما ينتقد البعض حكومتهم بأنها لا تتبع نفس المعايير فى حكمها على احترام حقوق الإنسان فى كل من روسيا وإسرائيل. روسيا خصم فى مجال السياسة الدولية ولكن إسرائيل دولة صديقة للولايات المتحدة، ومن ثم فلا تحكم عليهما الحكومة الأمريكية بنفس المعايير، تشن أشد الهجوم على روسيا بدعوى انتهاكها لحقوق الإنسان، مثل ما جرى فى محاولة تسميم نافالنى زعيم المعارضة الروسية، ولكن نفس الحكومة الأمريكية لم تنتقد استمرار إسرائيل فى اعتقال المناضل الفلسطينى مروان البرغوثى، كما سكتت عن اغتيال السلطات السعودية وهى دولة صديقة لها للصحفى جمال خاشقجى فى دار القنصلية السعودية فى إسطنبول. يمكن تبرير هذه الازدواجية بمقتضيات السياسة العملية، ولكنها ليست مقبولة على أسس أخلاقية. أما الانتقائية فتفتقد التبرير العملى، كما أنه من المشكوك فيه أن يكون لها سند أخلاقى.
خذوا مثلا مواقف حكومتنا من تقارير المنظمات الدولية. تشيد الحكومة والصحف وقنوات التلفزيون والإذاعة بتقارير المنظمات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى التى تتحدث عن معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى فى السنوات الأخيرة، وتوقعاتها بنمو الاقتصاد المصرى هذا العام واستمرار نموه العام القادم، وإن كان ذلك بمعدلات متواضعة منذ انتشار جائحة كورونا، كما تستفيض فى تحسن مرتبة مصر بالنسبة لحوادث المرور وجودة الطرق، وهذه كلها أمور مهمة، ولا يمكن التقليل من حقيقة التحسن الذى طرأ على الطرق السريعة فى مصر حتى داخل المدن، وإن كان لبعض خبراء تخطيط المدن قول آخر فى مسألة شق الطرق السريعة داخل الأحياء السكنية، ولكن لم تعلق الحكومة ولم تذكر أى من الصحف أن مرتبة مصر على جدول التنمية البشرية الذى يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائى وهو الذى يقيس أمورا بالغة الأهمية لكل المواطنين مثل مستويات التعليم والصحة وسلامة البيئة وتوافر الحريات والمشاركة السياسية هو يقع فى مكانة لا تشرف مصر. الذى يدعو للتأمل أن مكانة مصر على هذا المؤشر تكاد تكون ثابتة منذ عقود، وهى 116 من بين أكثر من 190 دولة، فنحن فى قاع الثلث الثانى فى هذا المقياس، وقريبون جدا من ثلثه الأدنى، وتتفوق علينا دول عربية عديدة لا تقتصر على دول الخليج ذات الدخول النفطية المرتفعة ولكن دول أخرى مثل الأردن وتونس.
***
تظهر هذه الانتقائية بأجلى صورها عندما يتعلق الأمر بقضايا التنمية، فهل التنمية هى جهد يقتصر على مجال واحد أم أنها عملية تغيير شامل، حتى ولو كان تدريجيا؟ انتهى منذ زمن بعيد النظر إلى التنمية على أنها جهد ينحصر فقط فى المجال الاقتصادى، وأصبح من المسلم به الآن أنها تمتد إلى جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية فضلا عن الاقتصادية.
حديثنا عن التنمية، أو حديث حكومتنا عن التنمية، يقتصر على بعدها الاقتصادى فقط، وحتى داخل هذا البعد، انحصر الاهتمام فى الشقين المالى والنقدى. نحن سعداء بانخفاض العجز فى الموازنة العامة وبزيادة الاحتياطى من العملات الأجنبية فى البنك المركزى، ونتغافل عن أن التنمية حتى فى شقها الاقتصادى أوسع من ذلك بكثير، فهى تغير هيكلى يقلل من اعتماد الاقتصاد على إنتاج القطاع الأولى الذى يشمل الزراعة والتعدين والبترول والغاز الطبيعى، وتحوله إلى الصناعات التحويلية ثم فيما بعد إلى الخدمات الإنتاجية فى اقتصاد متنوع ومتكامل. حسنا أن بدأت الحكومة تتحدث عن أهمية الصناعة دون أن يكون انطلاق الصناعة هو جهد وطنى شامل تشترك فيه جميع مؤسسات الدولة وليس فقط وزيرة الصناعة مع رئيس الوزراء وعدد مختار من أصحاب الشركات الصناعية الخاصة. أليس هذا الجهد الوطنى الشامل والدءوب هو ما فعلته دول شرق وجنوب آسيا والتى تحولت كلها إلى دول صناعية جديدة؟ فأصبح بعضها يقتحم مجالات الصناعات الدقيقة ويشارك بابتكاراته فى سباق الفضاء مثل كوريا الجنوبية وشركتها العملاقة سامسونج أو تسعى لتتبوأ مكانة متميزة فى الوصول إلى كواكب المجموعة الشمسية مثل الصين والهند.
فى كل هذه الدول كان انطلاق التصنيع هو مشروع وطنى شامل اشتركت فيه كل مؤسسات الدولة والمجتمع ووليد استراتيجيات بعيدة الأمد تركز على استحداث وتوسيع الإنتاج فى فرع محدد من فروع الصناعة ثم تنتقل بعده إلى فرع آخر. مفاخرنا فى مجال التنمية تقتصر على الطرق السريعة واحتياطى البنك المركزى الذى يتألف فى معظمه من ودائع الدول الصديقة وسندات الخزانة العامة المباعة لأجانب. ونعلق آمالنا على أن تكون اكتشافات الغاز الطبيعى هى طريقنا إلى الرخاء.
ونغفل فى هذا المجال أن التنمية لها بعدها السياسى أيضا فى تمكين الدولة وتمكين المجتمع. تمكين الدولة ليس بزيادة قدرتها على الضبط ولكن برشادة أسلوب الحكم. وهنا نجد تقارير الأمم المتحدة وفى مقدمتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، بل وحتى البنك الدولى، كلها تطرح كضرورة لتنمية معايير الحكم الرشيد، وفى مقدمتها الالتزام بحكم القانون وعدم تركيز السلطات وفعالية المساءلة وضمان الشفافية ومشاركة المواطنين فى صنع السياسات العامة. تصل الانتقائية إلى إغفال هذا البعد تماما، وكأن التنمية، حتى فى بعدها الاقتصادى، يمكن أن تتم بدون تغيير أسلوب الحكم من تجاهل لحكم القانون إلى البعد عن القواعد الصحيحة لاتخاذ القرار، وتجنب سلطات الدولة أى مساءلة، وتركيز هذه السلطات فى مستوياتها العليا، وتجنبها جميعا الشفافية فيما تقوم به من أعمال أو تتخذ من خطوات.
***
وتصل الانتقائية فى موضوع التنمية إلى حدها الأقصى بالاستبعاد الكامل لبعد تمكين المواطن، والذى لا يمكن أن يتم دون تمتع المواطن بحقوقه الأساسية فى الحرية مثل الحقوق الشخصية وحريات الاعتقاد والتفكير والتعبير والتنظيم. تأمل خطاب المسئولين عندنا عن التنمية. من النادر بل يكاد يكون من المستحيل أن تجد فيها إشارة إلى أن التنمية تعنى أيضا احترام حقوق الإنسان بجميع فئاتها المنصوص عليها فى الدستور وفى المواثيق الدولية التى صدقت عليها الحكومة المصرية منذ عهد مبارك فى سنواته الأولى ولم تفكر إطلاقا فى الانسحاب منها. مثل انتخاب دبلوماسيين مصريين للجنتى الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مصدر اعتزاز للحكومة وفى أذرعها فى الصحافة والتلفزيون، ولكن عندما تصدر مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بيانات عن تردى بعض حقوق الإنسان فى مصر مثل حقى التنظيم أو التعبير يخرج البعض ليلوم المفوضية لأنها لا تعى حقيقة الأوضاع فى مصر، أو يعتبر بيانها تدخلا فى الشئون الداخلية، أو ينسب بيانها إلى مكايدات الحكومات غير الصديقة لمصر فى قطر وتركيا. وبعد اتهامنا لهذه المفوضية ومنظمات حقوق إنسان أخرى بعدم معرفة الأوضاع فى الدول التى تتصدى لها، ننقل عن نفس هذه المفوضية ونفس هذه المنظمات انتقادها لحكومات لا تربطنا بها علاقات ودية مثل هاتين الحكومتين أو أحيانا إسرائيل.
تجدون هذه الانتقائية فى المجال الثقافى كذلك. موقفنا من قضية الحداثة دليل على ذلك. نحن نرحب بالحداثة عندما تتعلق بالتكنولوجيا أو السلع الاستهلاكية أو نمط الملبس أو المأكل. أحدث المعايير العالمية هى القاعدة التى يدعو لها كبار المسئولين فى حديثهم عن مشروعات الدولة. ويتسابق بنات وأبناء الطبقة الوسطى على اقتناء أحدث صيحات أجهزة التليفون الذكى كما يسعى القادرون منهم على امتلاك أفخر السيارات. ولكن الحداثة لا تعنى للغالبية الساحقة منهم الجدية فى العمل والمثابرة عليه والاعتماد على القدرات الفردية فى الترقى فى العمل، ولا تعنى الالتزام بضبط الوقت، والتوقف عن الاستهلاك التفاخرى. أو احترام أصحاب العقائد الأخرى والتعامل مع اختلاف الآراء على أنه سنة من سنن الكون.
على الصعيد الشخصى، خطر الانتقائية محدود النطاق، يقتصر على كل شخص والدائرة المحيطة به، ولكن الانتقائية فى فكر وسلوك السلطات العامة لها آثار يمكن أن تلحق الضرر بالمجتمع ككل. قصر فهم التنمية على شقيها المالى والنقدى سوف يقوض أى فرصة لتحقيق التنمية الصحيحة والمتوازنة، ووقفها على زيادة قدرات الدولة دون تحسين أسلوبها فى الحكم سوف يهدر موارد كثيرة ويرفع من كلفة عملية التنمية ذاتها، واستبعاد تمكين المواطن بتوسيع واحترام حقوقه السياسية والمدنية لا يترك للمواطنين سبيلا لتغيير هذه الأوضاع إلا بالانصراف عن المشاركة فى جهود التنمية أو محاولة تغيير الأوضاع التى لا ترضيهم بالقوة. الدولة بمعناها الواسع بما فى ذلك نظام حكمها هما اللذان يدفعان الثمن الغالى لهذه الانتقائية فى الأجلين المتوسط أو البعيد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved