«استكشاف مصر».. كلمة وصورة!

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 21 فبراير 2026 - 5:20 م بتوقيت القاهرة

(1)
أحب كتابة عادل أسعد الميرى، وأحب طريقته السلسة المتدفقة فى مقاربة كل ما يعنّ له من أفكار وتصورات وخواطر وتأملات، وحتى من نقد لاذع أحيانًا ومشاعر غاضبة تستعصى على التصنيف والتجنيس.


ولأنه غائب عن الأضواء منذ فترة طويلة، بعد أن حصد جائزة ساويرس الثقافية قبل سنوات، فقد اشتقت إلى قراءته ومطالعة نصوصه؛ وقد قرأت معظمها وكتبت عن كثيرٍ منها على مدى سنوات طويلة. وقد وقع فى يدى كتاب له صدر عن الهيئة العامة للكتاب قبل خمس سنوات، ربما أو يزيد؛ عنوانه «محاولات استكشاف مصر ــ القاهرة والأقاليم»؛ فى 236 صفحة من القطع الكبير، بغلافٍ بديع يستلهم روح التاريخ المصرى والآثار المصرية القديمة الضاربة بجذورها فيما قبل التاريخ.


فى سردٍ حرٍّ متدفق يجمع بين الذكريات والتوثيق، وبين الحكى والتأريخ، وبين التعريف والإضاءة الكاشفة والنقدات اللاذعة الساخرة العميقة؛ يقوم المؤلف باستلهام تجربته فى العمل كمرشد سياحى متميز؛ يجيد أكثر من لغةٍ أجنبية بطلاقة (الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وبعض الروسية والصينية، فضلًا عن الهيروغليفية القديمة والعربية بطبيعة الحال)، ولديه معرفة واسعة جدًا بالتاريخ المصرى عبر عصوره المختلفة، وبالآثار المصرية؛ القديم منها والوسيط والحديث، ويقدم لنا ما نستطيع أن نصفه بجولات مرشد سياحى «مثقف» فى الزمان والمكان.


تخرج عادل أسعد الميرى فى كلية الطب، وأدى الخدمة العسكرية طبيبًا فى واحدٍ من المستشفيات التابعة للقوات المسلحة، ثم عمل عازفًا موسيقيًا فى فرق الموسيقى الغربية التى انتشرت فى مصر فى السبعينيات ومطالع الثمانينيات، ثم تفرغ بالكُلِّية لدراسة التاريخ المصرى القديم والآثار المصرية، ليعمل مرشدًا سياحيًا يجوب مصر من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها، ويسجل بقلمه وأسلوبه الممتع فائض وحصاد هذه الجولات السخية المبهجة فى هذا الكتاب المزود بملحقٍ للصور الفوتوغرافية، يوثق جوانب من هذه التجربة الثرية.


(2)
يأخذ عادل الميرى قارئَ كتابه فى رحلة شيقة فى أماكن وأزمنة متنوعة، محورها المدن والأحياء والمحافظات المصرية، ومصادرها متنوعة وطريفة حقًا؛ فمن خبرة مهنة الإرشاد السياحى التى احترفها الميرى لسنوات، إلى تجربة المشى الحرّ التى أحبها وما زال يمارسها، وصولًا إلى صفحات كتبٍ أجنبية مهمة عن مصر والمصريين، ومرورًا بدراساتٍ قيّمة أعدها المؤلف فى مناسبات مختلفة عن الأماكن والمتاحف والآثار المصرية، تتشكل صورة مدهشة وحقيقية وصادقة لمصر التى لا نعرفها.


وتتجاور الإيجابيات والسلبيات، دون أن يضيع الخيط الأساسى، لكاتبٍ يعشق بلده وتاريخها، له فى كل مكان حكاية، وله مع البشر ذكريات، يريد لهذا الوطن أن يكون أفضل وأجدر بتاريخه، لا يجامل ولا يتغاضى عن الخطأ، ينحاز دومًا للجمال، ويعلن الحرب بلا هوادة على القبح.


سيحصل قارئ الكتاب على معلومات ممتازة ووفيرة عن كل العصور المصرية تقريبًا؛ سيسير فى شوارع الفسطاط القديمة، مثلما سيتأمل مبانى شارع الكورنيش البائدة، وعمارات حى الزمالك التليدة، وسيسافر على الورق مع أفواج سياحية من الإسكندرية والقاهرة إلى سانت كاترين والواحات والأقصر وأسوان.


أسلوب الميرى ممتع وجذاب وبسيط؛ إنه يجمع أيضًا بين الجدية والسخرية، بين المعلومة المحققة والرأى الحر الذى لا يخلو من «التنكيت والتبكيت». هو أصلًا سارد متميز، وحكّاء بارع، وانتقاله بين مهن مختلفة كطبيب وكعازف موسيقى وكمرشد سياحى محترف، وشغفه الهائل بالمعرفة والرحلات، وإيمانه بمقولة فؤاد حداد بأن «الثقافة كتب وناس»، كل ذلك جعل كتبه ودراساته عميقة وشيقة، وجامعة بين الذاتى والموضوعى.


كان عادل الميرى قد بدأ رحلة التجوال من خلال برنامج سياحى وفرته الدولة للمصريين فى العام 1968 بعنوان «اعرف بلدك»؛ عبارة عن جولات سياحية فى القاهرة والأقصر وأسوان على مدى ثلاثة أيام، مقابل سبعة جنيهات فقط (فى ذلك الوقت كان مبلغًا أقل بكثير من القيمة الحقيقية للرحلة كلها). وربما كانت هذه الفكرة هى البذرة التى تطورت عنها فيما بعد ما عُرف بالسياحة الثقافية المنظمة، التى بدأت تروج ويزداد الاهتمام بها فى دول الخليج العربى فى السنوات العشر الأخيرة.


يقول عادل الميرى عن هذه الرحلة المفصلية فى حياته: «لم أنتبه إلى الآثار المصرية إلا بعد رحلة «اعرف بلدك» تلك التى قمت بها مع الأسرة، وهذا يشير إلى أهمية الرحلات والزيارات الميدانية فى حياة الأطفال. لا تبخلوا على أولادكم بالرحلات. يقول المثل الصينى: «صورة واحدة أفضل من ألف كلمة»».


(3)
عادل أسعد الميرى، لمن لا يعرفه، كاتب وروائى ومترجم وباحث مصرى، أصدر ما يقرب من عشرين كتابًا فى الرواية وأدب السيرة الذاتية، والترجمة والآثار والفنون المصرية القديمة. بدأ حياته دارسًا للطب، ثم سار فى درب الموسيقى عازفًا هاويًا، لكنه قرر فى نهاية المطاف احتراف الكتابة الإبداعية والترجمة، وقدم أعماله المهمة التى وضعته فى مصاف أصحاب الأساليب المتميزة فى المشهد الإبداعى المعاصر.


إن أجمل ما يقدمه الميرى فى أعماله هو تلك الحرية الكاملة التى يسرد بها تفاصيل حياة شخصياته، وبراعته فى رسم بورتريهات لنماذج إنسانية من دون رتوش.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved