إنها نذر لمصير بائس لشباب الأمة

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 21 مارس 2018 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

ما إن ينتصر فريق على فريق آخر فى معارك الجنون التى ابتلى بها الوطن العربى فى السنين الأخيرة حتى يطل «العقل الجمعى العربى» برأسه ليلعب دوره فيما سيحدث بعد انتهاء تلك المعارك.

لنذكر أنفسنا بأن العقل الجمعى العربى هو السلطة الذهنية والسلوكية، الواعية وغير الواعية، المنطقية وغير المنطقية، التى تكونت عبر القرون من خلال الأفكار وسلوكيات العادات والتقاليد والأساطير الخرافية، لتصبح مرجعية مقبولة من الغالبية ولتتحكم فى نوع تصرفات الأفراد والجماعات تجاه مختلف المواقف الحياتية وتجاه بعضهم البعض.

اعتمادا على هذا المكون أو ذاك من مكونات العقل الجمعى العربى يتصرف المنتصرون دون إعطاء أى اعتبار لما تأمر به الديانات من عفو ورحمة وقسط، أو ما تنص عليه القوانين الوضعية من عدالة وتسامح، أو ما تستهجنه أعراف العصر الذى نعيش فيه.

لنمعن النظر فى ممارسة الاعتداءات الجنسية من قبل رجال المنتصرين على نساء الجماعة المهزومة، أو فى التعامل حسب تقاليد ثارات العصبية القبلية أو المذهبية تجاه المهزومين إذا كانوا من مذهب دينى آخر أو ينتمون لأصول عرقية أخرى، أو فى نهب محتويات متاجر ومساكن الأفراد غير المحاربين الذين لا حول لهم ولا قوة، بل وعادة من المغلوبين على أمرهم فى معارك الصراعات التى أشعلتها فى العادة أقلية لها أجنداتها ومصالحها الخفية.

يحدث كل ذلك بالرغم من الآية القرآنية الصريحة «ولا تزر وازرة وزر أخرى» أو القاعدة القرآنية بأنه إذا جنح المهزوم إلى السلم فإن على المنتصر أن يجنح هو الآخر إلى السلم، وهما قاعدتان تتناقضان كليا مع عادات الثأر أو الانتقام الأعمى أو اعتبار المهزوم وما يملك غنيمة من غنائم الحرب.

إضافة بالطبع إلى تلك القواعد الدينية الأخلاقية الرفيعة فإن قوانين الحروب الحديثة تعارض كل تلك الممارسات وتعتبرها انتهاكات لحقوق وسلامة الأفراد المدنيين الأبرياء، بل وتعتبرها جرائم ضد الإنسانية.

نحن إذن أمام عقل جمعى ارتبط تاريخيا بسلوكيات البداوة السلبية البدائية، وبالحضور الدائم للعلاقات السلطوية الجائرة فى مجالات الحكم والحياة المدنية، وبالكثير من الأطروحات الفقهية المتخلفة وصراعاتها السياسية، وبالاستعمالات الانتهازية للأحاديث النبوية، وبالقراءات الخاطئة للنصوص القرآنية، وبالوقوف فى حيرة وتردد أمام أطروحات الحداثة والأيديولوجيات فى حضارة الآخر، سواء أكان فى الغرب أم فى الشرق.

والنتيجة لكل تلك المشاكل الذاتية، المرتبطة بتاريخ العرب وثقافتهم وسيرورة حياة مجتمعاتهم، أن دخل العقل الجمعى العربى فى أزمة مفاهيم مستفحلة شملت فيما شملت مفاهيم الدولة والمواطنة والقانون والديموقراطية والسلام والحرب.

***

فى ظل مثل ذلك التراث، الذى تراكمت جوانبه السلبية عبر العصور، وأمام أزمة المفاهيم التى تُفقر الحياة العربية الحديثة، لا يمكن إلا أن يرى الإنسان ما يراه من ارتكاب الموبقات فى الصراعات العبثية التى تملأ سماء الوطن العربى وتنقله شيئا فشيئا إلى عوالم الهمجية.

لقد كتب الكثير عن أمراض العقل الجمعى العربى وما ينتجه من ثقافة. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وطوابير الإصلاحيين تحلل وتنتقد وتقدم العلاجات المعقولة. البعض أكد أن لا بد من الانتقال إلى ثورة ثقافية كبرى تسمح بالقطيعة مع الكثير من تصورات الماضى وأفكاره، حتى نستطيع تقليص الهوة بيننا وبين الآخر المتقدم. ويعتبر هؤلاء أن هكذا ثورة هى المدخل الأساسى للتغييرات السياسية المطلوبة.

البعض الآخر يرى أن البداية هى فى حدوث ثورة سياسية تنقل المجتمعات العربية إلى نوع من الديموقراطية السياسية والاقتصادية المعقولة العادلة، إذ بدون حل لإشكالية السياسة، بما تأتى به من حريات وقوانين وحكم رشيد، فإن إحداث ثورة ثقافية يصبح شبه مستحيل.

***

وفى جميع الأحوال فإن الانتقال إلى كلتا الثورتين سيحتاج إلى نخبة تتبنى وتناضل وتقود، وهذا هو مربط الفرس فى الحياة العربية الحالية. ذلك أن أحداث وثورات الربيع العربى عبر السنوات الثمانى الماضية أظهرت غيابا مفجعا لمثل هكذا نخبة على المستويين السياسى النضالى والثقافى الفكرى.

نحن هنا نتكلم عن نخبة فاعلة مندمجة فى حياة الناس اليومية، قادرة على إقناع الإنسان العربى بأن يتبعها ويسير جنبا إلى جنبها ويشد أزرها قبل أن يمارس محاسبتها.

النخبة التى نتحدث عنها تحتاج أن تستوعب إشكاليات التاريخ، والعقل العربى الجمعى، وتشابك الدين مع السياسة والثقافة، ونوعية التعامل مع حداثة الآخرين لبناء الحداثة العربية الذاتية، والعمل التكاتفى مع نخب الآخرين. إنها مهمة تاريخية كبرى، إن لم تنجز فإننا سنعيش لسنين طويلة قادمة مع أولاد وأحفاد أمثال القاعدة وداعش والنصرة وغيرها من الأسماء الاستخباراتية، وسنرى صورا أكثر شيطانية فى تعامل المنتصرين مع المهزومين.

لن تستطيع الأمة الخروج من هذا المصير إن تراكم الكلام وقل الفعل. إنها نذر لمصير بائس لشباب الأمة العربية التائهين فى عوالم الثقافة العولمية الاستهلاكية البليدة.

dramfakhro@gmail.com

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved