منذ هجوم السابع من أكتوبر إلى الحرب على إيران.. خمس ظواهر غير مسبوقة
أحمد فاضل يعقوب
آخر تحديث:
السبت 21 مارس 2026 - 6:13 م
بتوقيت القاهرة
المراقب لأوضاع منطقتنا وتاريخها منذ وعد بلفور1917، ثم إعلان قيام الدولة العبرية عام 1948 حتى الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران ولبنان حاليًا، يلاحظ وجود خمس ظواهر جديدة وغير مسبوقة تاريخيًا فى صراعات إسرائيل وحروبها على المنطقة، نشأت خلال الفترة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وإلى الآن، ولهذه الظواهر الجديدة -فى تقديرى- دلالاتها السياسية والأمنية والاستراتيجية الخطيرة على المنطقة، وتضىء طريقا بشكل أوضح، أو ربما أكثر تأكيدًا، لفهم الواقع الدولى وتوجهاته تجاه منطقتنا، والصراع فيها وعليها، وهو ما قد يقتضى التحسب له، وأخذه فى الاعتبار، ومن ثم الاستعداد الاستراتيجى من المؤسسات المعنية بالأمن القومى فى دول الإقليم، وهذه الظواهر الجديدة، هى:
أولًا: مشاركة الرئيس الأمريكى فى مجلس الحرب الإسرائيلى
لم يحدث فى كل صراعات إسرائيل مع المنطقة أن شارك أى رئيس أمريكى فى مجلس الحرب الخاص بها، رغم استمرار الدعم الدائم لها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا منذ نشأتها، ولا حتى فى حرب أكتوبر1973 فى ظل الانتصار الكبير والمفاجئ الذى قامت به القوات المصرية واقتحام خط بارليف وتكبدها خسائر فادحة، ولكن وللمرة الأولى فقد هرع الرئيس الأمريكى بايدن ومعه وزير خارجيته، بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 لزيارة تل أبيب فى 18 أكتوبر 2023، وشارك فى مجلس وزراء الحرب الإسرائيلى المنوط به إدارة الحرب على غزة وإقرار الخطط والتحركات العسكرية، وعبر الرئيس الأمريكى عن دعمه المطلق لإسرائيل، وكان ذلك إشارة واضحة الدلالة لمدى الالتصاق وليس فقط التقارب بين أقوى دولة فى العالم وإسرائيل، رغم أن الحدث فى النهاية هو عملية قامت بها بعض الفصائل التى لا تعد جيشًا بالمعنى الحديث، وليس لديها طائرات حربية ولا دبابات.
الأكثر من ذلك أن مجزرة مستشفى المعمدانى التى ارتكبتها القوات الإسرائيلية قد تمت أثناء زيارة بايدن هذه، وكأنها كانت رسالة من إسرائيل لما تزمع القيام به فى غزة، واختبار رد فعل بايدن الذى نجح فى الاختبار، حيث تبنى وجهة النظر الإسرائيلية بأن الفلسطينيين هم المسئولون عن هذه المجزرة، وقد أدى الحدث لإلغاء القمة الرباعية التى كانت مقررة فى الأردن بين الولايات المتحدة، ومصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية.
منذ الوهلة الأولى أعلن بايدن عن مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل بقيمة نحو عشرة مليارات دولار، كما تم تحريك حاملتى الطائرات الأمريكيتين (جيرالد فورد، وايزنهاور) إلى شرق البحر المتوسط معلنة حماية إسرائيل ضد أى تدخل محتمل من حزب الله أو إيران لمساندة غزة، وكأنها رسالة أخرى أمريكية للإقليم والعالم بأن تستمر إسرائيل فيما تقوم به من مجازر فى غزة تحت حمايتها وناظريها، ومحذرة أى أطراف أخرى من التدخل بجانب الفلسطينيين.
ورغم انتماء بايدن للحزب الديموقراطى المعروف تاريخيا بأنه أقل حدة فى تأييد إسرائيل من الحزب الجمهورى، إلا أنه واصل دعمه للدولة العبرية خلال العام الأخير من حكمه رغم المجازر الوحشية المرتكبة، ومنع إصدار أى قرار من مجلس الأمن بوقف الحرب على غزة.
ثانيًا: الاشتراك المباشر عسكريًا فى الحرب الإسرائيلية
بالرغم من الدعم الأمريكى العسكرى المباشر والدائم لإسرائيل فى كل حروبها على المنطقة منذ نشأتها باستثناء حرب العدوان الثلاثى عام 1956، فإنه لم يسبق أبدًا أن شاركت الولايات المتحدة بشكل مباشر عسكريًا وبقوات منها، كما يحدث حاليًا فى حربها الجارية على إيران حاليا، وحربها السابقة كذلك على إيران فى يونيو 2025 حينما شاركت الولايات المتحدة بطائرات عسكرية فى قصف مقار المفاعلات النووية الإيرانية الثلاث، بل حتى فى حرب 1956 التى قامت بها إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر، كانت الولايات المتحدة هى من قام بدور رئيسى فى دفع إسرائيل للانسحاب من سيناء، وفى حرب تحرير الكويت ورغم اطلاق صدام حسين بعض الصواريخ على الدولة العبرية فإن الموقف الأمريكى كان واضحًا بعدم قيام إسرائيل بأى رد ومن ثم عدم اشتراكها بأى طريقة فى هذه الحرب، وبالتالى فإن ما يجرى حاليًا هو ظاهرة غير مسبوقة فى كل حروب إسرائيل على المنطقة، بأن تكون بجوارها الدولة العظمى فى العالم وبشكل مباشر سلاحًا وأفرادًا.
ثالثًا: تحرك الأساطيل الحربية لكل القوى الاستعمارية القديمة دفاعًا عن إسرائيل
الظاهرة الجديدة الثالثة، وغير المسبوقة منذ نشأة إسرائيل، هى أنه عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، لم تكتفِ الدول الأوروبية خاصة تلك ذات التاريخ الاستعمارى فى المنطقة، بما قامت به أقوى دولة حاليًا على ظهر البسيطة، وهى الولايات المتحدة بإرسال حاملتى طائراتها إلى شرق البحر المتوسط وإعلانها الدعم والحماية العسكرية المباشرة لإسرائيل، بل قامت هذه الدول الأوروبية كذلك بتحريك فرقاطاتها الحربية للمنطقة لكى تقوم بالدور نفسه بجانب الولايات المتحدة، ولم يكن دورها هو فقط فى إطار الردع بل شاركت بالفعل بجانب إسرائيل والولايات المتحدة سواء من خلال هذه القوات البحرية أو قواتها وقواعدها العسكرية فى المنطقة فى اعتراض الصواريخ الموجهة إلى إسرائيل سواء من حزب الله فى لبنان أو الحوثيين فى اليمن، أو من إيران خلال حرب يونيو العام الماضى.
وقد جاء هذا التحرك بالرغم من أن إسرائيل بمعايير القوة الشاملة للدولة قادرة على القيام بهذا الدور وحدها واعتراض هذه الصواريخ، حيث تمتلك ثلاثة أنظمة دفاعية اعتراضية هى القبة الحديدية وحصلت عليه من الولايات المتحدة، كما لديها نظامان لطبقتين وقبتين إضافيتين من الحماية من إنتاجها العسكرى المتطور وهما نظاما مقلاع داود والسهم، فضلا عن قواتها الهجومية الجوية الضخمة، وتطورها الكبير فى الحروب السيبرانية وتطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى فى الجوانب العسكرية، وتفوقها اللافت فى الاختراق والعمليات الاستخباراتية، وهو ما أثبتته حروبها على المنطقة خلال العامين الماضيين.
رابعًا: خلط الدين بالسياسة الأمريكية تجاه المنطقة
فى الوقت الذى تراجع فيه خلط الدين بالسياسة فى منطقتنا باعتبار ذلك ضارًا بالسياسة وبالدين معًا، فإن السياسة الأمريكية فى عهد ترامب حاليًا تجاه المنطقة خاصة مع الحرب على إيران يتزايد فيها استخدام الدين ومبرراته وتفسيراته بشكل ظاهر وغير مسبوق، فبالرغم من أن الكنائس الأمريكية الإنجيلية بدأ تأثيرها على الناخبين الجمهوريين منذ انتخاب الرئيس ريجان خاصة فى اتجاهها اليمينى المتطرف المسمى «المسيحية الصهيونية»، فإنها لم تبلغ أبدًا هذا المستوى من الفجاجة والعلنية خاصة فى أحاديث المسئولين، وكان من اللافت أن وزير الحرب الأمريكى الحالى هو شخص يضع وشمًا باللغة العربية على ذراعه بلفظ «كافر»، بجانب صليب ضخم على صدره، وله خطاب مصور يتحدث فيه عن إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وأرسل للجنود الأمريكيين أثناء بدء الحرب على إيران رسالة تتحدث عن معركة هرمجدون فى استدعاء واضح للدين ومفاهيمه من الكتب المقدسة وإقحامها فى حرب من المفترض أنها لأسباب أخرى، كما كان من اللافت الصلاة التى أقامها بعض رموز هذه الكنائس الإنجيلية التى تؤمن بالتفسيرات التوراتية بأهمية دعم إسرائيل تمهيدًا لعودة المسيح، داخل البيت الأبيض حول ترامب، وتدعو له بالنصر فى هذه الحرب على إيران وإعطائها بعدًا دينيًا، وهو أمر له مخاطرة على إدراك شعوب المنطقة لطبيعة هذه الحرب وأهدافها ودوافعها مع هذه المسحة الدينية.
خامسًا: الحديث العلنى عن التوسع من النيل للفرات
كان من المعروف لدارسى الفكر الصهيونى وتفسيراته التوراتية، الذى نشأت على أساسه الدولة العبرية، أن مفهوم التوسع حسب هذه التفسيرات والأمل النهائى لها فى ضوء عدم إعلانها عن حدود رسمية إلى الآن، يقوم على امتداد وأحقية التوسع من النيل للفرات، ولكن لم يكن هذا الشعار ظاهرًا أبدًا بشكل علنى فى مطالبات المسئولين الإسرائيليين وخطاباتهم الرسمية، بل قبل بعضهم فكرة الانسحاب المضادة لفكر التوسع، كما حدث مع مصر وانسحبت إسرائيل من سيناء وفق اتفاق السلام معها، كما انسحب شارون من غزة عام 2005. أما الظاهرة الجديدة الآن فهى فى التعبير علانية عن سياسة التوسع وفق التفسيرات التوراتية هذه من النيل للفرات، وقد جاء ذلك على لسان رئيس الوزراء نتنياهو، وكذلك على لسان زعيم المعارضة يائير لابيد، والأكثر على لسان السفير الأمريكى لدى إسرائيل مايك هاكابى كذلك، وكما يقول المثل المصرى (على عينك يا تاجر).
ختامًا، فإن هذه الظواهر الجديدة تنبئ بتحولات كبرى ستحدث فى المنطقة، ومن المهم التحسب لها والتخطيط للتعامل معها كدول وشعوب ومراكز فكر ومؤسسات أمن قومى وقوى صلبة، كما تثير تساؤلات كبرى حول سياسات القوة العظمى ومعها الدول الأوروبية ذات التاريخ الاستعمارى، حول نواياها ودوافعها إزاء منطقتنا، وهل هى نابعة من مصالح اقتصادية واستراتيجية بدوافع الجغرافيا فقط؟ أم أن التاريخ الحديث (منذ سايكس/ بيكو) والقديم منذ صراع الحضارات والامبراطوريات سوف يلقى بظلاله على الحاضر والمستقبل؟
مساعد وزير الخارجية سابقًا وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية