تأملات عند التقاطع

ريم سعد
ريم سعد

آخر تحديث: الأحد 21 أبريل 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

تميز حكم مبارك وامتداده الحالى بالتنصل من مسئولياته والإلقاء باسباب المشكلات على سلوكيات الشعب. رأينا ذلك مؤخرا مع تصريحات رئيس الوزراء هشام قنديل الذى أوصانا بضرورة ارتداء الملابس القطنية والبقاء معا فى غرفة واحدة حتى لا تنقطع الكهرباء، كما أرجع أسباب انتشار أمراض الأطفال إلى قذارة أثداء الأمهات. تصريحات قنديل ليست استثناء لكنه توجه عام عشنا معه طويلا منذ أيام مبارك ــ ربما قابل الناس تلك التصريحات بغضب واستنكار بسبب طبيعتها الوقحة والكاريكاتورية أيضا، إلا أنه من الملفت أن اتهام الشعب فى سلوكياته كسبب أصيل لمشاكل عدة نعانيها يلقى قبولا عاما وربما أيضا استحسانا وتأييدا.

 

●●●

 

تظهر هذه المسألة فى شكلها الأوضح فيما يخص مشكلة المرور والتى يتلخص تشخيصها الرسمى فى نقص الوعى وأننا شعب فطرنا على حب الفوضى والحل هو زيادة التوعية بضرورة اتباع قواعد المرور. أفهم أن تلجأ السلطة للتنصل من واجباتها والاختباء وراء تلك الحجة، كما أفهم أيضا المنظور الضيق والضاجر الذى ظهر به رجل الأعمال الأشهر فى حوار تليفزيونى قبل الثورة شكا فيه من كراهية هذا الشعب للنظام بسبب طبيعته الفوضوية ووصف كيف يتقافز المشاة أمام سيارته، وهم يعبرون الطريق دون أدنى احترام للنظام ــ والشكوى من أن المشاة لا يلتزمون بعبور الطريق من الأماكن المخصصة هى بالطبع تنويعة على مقولة مارى أنطوانيت: ياكلوا جاتوه.

 

أما أن يتبنى الناس هذه التهمة عن أنفسهم ويتحملون ما هو بوضوح فشل وتقصير من حكامهم فهو أمر مؤسف ومحير أيضا. فحتى لو كنا جميعا ملائكة بأجنحة ولدينا أرقى درجات وعى المواطن الصالح ما هى تحديدا قواعد المرور التى علينا اتباعها فى مدن لا تحكم تقاطعاتها إشارات ضوئية ولا يوجد بها حارات مرورية ولا لوحات إرشادية ولا أماكن عبور مشاة ولا وسائل لضبط السرعة الزائدة وحتى حين توجد إشارات فهى كثيرا ما تكون مثبتة على الضوء البرتقالى المتقطع. وهنا لابد أن أعترف أن تلك المسألة وغيرها قد أثارت شكوكى وربما أصابتنى ببعض البارانويا إذ بت أرى أن المسألة ليست مجرد حالة إنكار أو ترهل إدارى، وإنما قد يكون وراءها شىء غامق وخبيث. تلك الإشارة البرتقالية «المبربشة» بالذات تحيرنى ولا أجد تفسيرا لانتشارها فى الفشل العادى وانعدام الكفاءة المميز لإدارة الأمور ــ أراها أثناء المفاوضات الخطرة لعبور التقاطع وأرى الناس تنظر إليها متوسلة قاعدة لأولوية العبور ولا تجدها وبالمثل لا أجد تفسيرا آخر للاستمرار فى إظلام ميدان التحرير وإطفاء الإشارات المرورية كلية. ولا يسعنى سوى اتهامهم بممارسة أنواع مريضة من التسلط أو بتعمد إحداث الفوضى ودائما ما يأتينى هذا الخاطر عند التقاطعات الخطرة: إن هؤلاء الحكام ليسوا فاشلين وحسب بل إنهم أشرار أيضا.

 

 

 

باحثة مصرية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved