من أهازيج الحرب
يحيى عبد الله
آخر تحديث:
الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
يدَّعى كل طرف من الأطراف الثلاثة للحرب: أمريكا وإسرائيل وإيران، أنه حقق نصرًا ساحقًا ماحقًا. لا يفتأ ترامب يقول إنه «انتصر». تتعلق معايير «النصر» لديه بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية تدميرًا تامًا، بحسب زعمه، وهى المعايير نفسها التى يتبناها مجرم الحرب نتنياهو.
تختلف معايير «النصر» على الجانب الإيرانى. فصمود النظام فى وجه هاتين القوتين العاتيتين، وعدم انهياره، رغم الضربات القاسية التى تلقاها، معيار للنصر، وتهديد القواعد والمصالح الأمريكية فى منطقة الخليج، معيار آخر، فضلًا عن إلحاق الأذى بإسرائيل.
من الملائم أن ننتظر ما ستؤول إليه الأمور بعد انتهاء مهلة الأسبوعين، التى توقفت خلالهما الحرب. هل ستتوصل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى اتفاق ينهى الحرب، أم أن مواقف الطرفين متباعدة بشكل كبير يحول دون التوفيق بينها، ومن ثم قد تكون هناك جولة أخرى من القتال؟
• • •
دعونا نسلط الضوء، بعيدًا عن كل هذه التكهنات، على جانب آخر من الحرب، يتعلق بتمثلاتها فى الأهازيج الإسرائيلية، التى تعكس نبض رجل الشارع، العادى، والمقاتل، والأجيال الشابة ونظرتهم إلى الحرب. من هذه الأهازيج أهزوجة بعنوان: «طوفانات»، وليس طوفانًا واحدًا. يستدعى كاتبها أسطورة «الطوفان» المذكورة فى سفر «التكوين»، والفلك التى صنعها «نوح» من أجل إنقاذ الجنس البشرى.
تمثل «الطوفانات» فى الأهزوجة معادلًا موضوعيًا للحروب المتواصلة التى تخوضها إسرائيل جيلًا بعد جيل. حروب لا تتوقف. حروبٌ، سيما الحرب الحالية، تنذر بالخراب، مثلما ينذر الطوفان بخراب العالم. تمثل الملاجئ والغرف الحصينة أو ما يسمَّى بالعبرية «مماد» («مساحة محصنة داخل شقة». قد تكون غرفة داخل الشقة، أو ملجأ محصنًا داخل الحى، أو ملجأً محصنًا متنقلًا) فى الأهزوجة المعادل الموضوعى للفلك التى بناها «نوح»؛ وهى تصدر للمتلقى إحساسًا بأن الإسرائيلى اعتاد هذه «الطوفانات»/ الحروب، وتأقلم عليها، وبأنه يمارس حياته اليومية، المعتادة، فى ظلها، وذلك على عكس ما تشير إليه تقارير وسائل الإعلام: فهو يحمل قهوته معه فى يده وهو فى طريقه إلى الملجأ/ الفلك، وكأن شيئًا لم يكن، ويكمل «دور» الشطرنج بداخله، ويطمئن ابنته بأن «الحياة حلوة» رغم كل شىء.
لكن نهاية الأهزوجة تحمل اتهامًا للزعماء، الضعفاء، الذين يفتقدون روح المبادرة. تقول سطور الأهزوجة: «هُرع أناس من جميع الأحجام إلى الفُلك: من كلً زوجين اثنين (...)/ تكشف الخرسانة وراء ظهورهم بعُريها طول الخراب، وعرض الحزام الواقى/ الخرسانة لا تعتذر، لا تضع «ميك آب»، ليست على «المودة»، تفعل ما عليها هنا ومنذ الأزل، الآن ودائمًا. يحكى ارتجاع الشظايا للأطفال قصة قبل النوم التى تنتقل من جيل إلى جيل/ من حرب إلى حرب، من طوفان إلى طوفان. لا شىء فى الحقيقة يتغير، ما يتغير هو المدة فقط بين الطوفانات.
مرة أخرى تعلو وتنخفض صافرة إنذار تاركة تأثيرًا على وجوهنا/ هذه هى المرة السابعة اليوم/ هذه المرة من دون مسرح السلالم الذى يبدو مثل مشهد فى فيلم من أفلام «إنجمار برجمان»: من يسرع بعينين مغمضتين/ من معه قهوته فى يده/ من يلعق بقايا «كاجو» بلسانه/ من ضُبطت فى «المنتصف» (فى منتصف الحمَّام) والفوطة فوق رأسها/ من يتعثر كل مرة على الدرج نفسه «بسبب الكروكس»/ من ترى خُطَا «الماشياح» فى الممر/ من يسارع إلى أسفل ليكمل «دور» الشطرنج لأنه عنَّت له خطوة عبقرية. يتزايد معدل صافرات الإنذار/ مرت ثلاث دقائق بالكاد منذ الصافرة السابقة. كلهم هذه المرة كما سبق أن ذكرنا هنا: من يُصفِّر الساعة لكى يضبط عشر دقائق من جديد، خلافا للتوجيهات/ من تكفيه خمس دقائق من الهدوء كى يخرج «ليشم قليلًا من الهواء»/ من لا يتحرك حتى يصيحوا عليه من فوق بأن «الحادث انتهى ويمكنه الصعود»/ من يقول ماذا ينبغى أن يُفعل وآخرون يصغون إليه/ من لا يعنيه الأمر فيفعل ما يقال له/ من يظل فى مكانه، ومن يتحرك/ من تثور ثائرته ومن يركن إلى الهدوء.
مرت سبع دقائق. غادر ذلك الشخص الذى ينتظر خمس (دقائق). يحكى والد «زيف» لابنته أن «الحياة حلوة». كلنا عشنا هذا الفيلم/ لذا نحن مشاركون فى العرض. ينبئ وجه الكلبة «تشوكيت» فقط لـ «زيف» بما تسير عليه الأمور/ عمرها بالكاد أربعٌ ونصف/ أكثر من نصف حياة مرت عليها هنا/ فى هذا الفُلْك الخرسانى/ وقد فهمتْ ما المقصود بعبارة «وجه الجيل كوجه الكلب» (تعبير تلمودى، ضمن وصف يشرح التردى الأخلاقى للأجيال فى نهاية الزمان، لكن المعنى المقصود فى التعبير الحديث يشير إلى انتقاد الزعامات المعاصرة، الضعيفة، التى تبدو، ظاهريًا، وكأنها تقود الجماهير، لكنها تسلك، فى واقع الأمر، طبقًا لمشيئتها استرضاءً لها).
ثلاث دقائق وينتهى هذا الطوفان وعندئذ/ حتى الطوفان القادم/ سيحل سلامٌ ونستطيع أن ندخل للاستحمام وصنع فنجان من القهوة/ وإذا جاء الطوفان قبل موعده/ فلا بأس، فنحن نفعل ما يجب أن نفعل بعينين مغمضتين ومن دون أن نتذمر: «السويت شيرت»، و«الكروكس»، ومفتاح البيت/ الكل جاهزٌ بالقرب من الباب/ سنؤجل القهوة إلى السلام التالى».
• • •
ثمة أهزوجة أخرى، لاقت رواجًا، تطرح أسئلة على لسان أطفال، تفتحت أعينهم على سماع صافرات الإنذار والحروب التى لا تنتهى، عنوانها: «إجازة من الحرب»، تقول سطورها: «لماذا نسمع برقًا إذا لم يكن ثمة مطرٌ الآن؟ وما الذى تفعله العصافير حين تكون هناك صافرة إنذار؟ لماذا كان لنا اليوم نزر يسير من الليل؟ والمهم ما الاسم الذى سيطلقونه على الحرب السنة القادمة؟ أمى، أنا لست مضطربًا/ فصافرات الإنذار تلازمنى طوال حياتى/ وأنتِ جيشى/ لأنك توفرين الحماية لى.
كم تبلغ من الوقت إجازة الحرب، يا أمى؟ ولماذا توجد «فراولة» على كل الخريطة؟ (إشارة إلى المدن والبلدات التى تظلل باللون الأحمر على هيئة ثمرة الفراولة أثناء انطلاق صافرات الإنذار وتظهر على شاشة التلفاز) وهل سيتوقف كل شىء فى التو إذا اعتذرنا يا أمى؟ ليت قلب كل العالم يمتلئ حبًا/ فالشمس لا تتوارى حتى عندما تكون هناك سحبٌ/ أعتقد أن أمورنا ستكون بخير لأنه يجب أن يكون كذلك/ هل نقول للصواريخ أننا فى منتصف فصل (مسرحى)؟ وهل نقول لها ليت العروض (المسرحية) تعود؟ أمى، أنا لست مضطربًا/ فصافرات الإنذار تلازمنى طوال حياتى/ وأنت جيشى/ لأنك توفرين لى الحماية/ كم تبلغ من الوقت إجازة الحرب، يا أمى؟/ ولماذا توجد «فراولة» حمراء على كل الخريطة؟/ وهل سيتوقف كل شىء فى التو إذا اعتذرنا، يا أمى؟ ليت قلب كل العالم يمتلئ حبًا/ مباركٌ الرب إلهنا ملك العالم/ وليت كل شىء يكون على ما يرام».
• • •
تعكس الأهزوجة الثالثة، وعنوانها: «نشيد المحاربين»، هوسًا وجنونًا بالحرب، واستعراضًا للقوة، والقدرة على التحمل، والعطاء، والتكاتف، وبذل النفس. تقول سطورها: «مين مجنون؟ أنا مجنون/ مين مجنون؟ أنا مجنون/ مين مجنون؟ أنا مجنون/ مين مجنون؟ أنا مجنون/ (قوات) جولانى تطلع ع المنصة- هوب هوب آهى جاية أهه/ (قوات) جفعاتى تطلع ع المنصة- هوب هوب آهى جاية أهه/ (قوات) النحلاويين تطلع ع المنصة ــ هوب هوب آهى جاية أهه/ (قوات) المدفعية تطلع ع المنصة ــ هوب هوب آهى جاية أهه/ أنا جندى عمره بين إيديه/ بَجُرّه زى شيَّال/ ما يهمنيش ألم/ ما يهمنيش موت/ ما يهمنيش موت/ بكون مبسوط، مبسوط/ وانا بالنقَّالة على كتفى/ وبعد شوية هكون مبسوط/ بالرتبة (الترقية) على كتفى/ آخر مزاج، آخر مزاج/ ما تطفوش النار/ هنا أجدع مقاتلين/ بيدوا من قلبهم، بيقدموا روحهم/ محاربات، محاربون، أسرة واحدة.
طب مين مجنون؟ أنا مجنون/ لو كنت فى مدرعة أو فى سفينة صواريخ، أو فى هليوكبتر مقاتلة على خط المواجهة فى (لواء) كفير/ ولا الجن الأزرق يقدر يناوشنى، لا/ فى ماجلان (وحدات خاصة تعمل خلف خطوط العدو) بسرية الاستطلاع أو فى سرية الهندسة، أو فى كتيبة الاستطلاع، أو فى كراكال (وحدة تشكل النساء 70 من قوامها منوط بها مراقبة الحدود مع مصر)، أو (فى وحدة) محاربة الإرهاب، أو مهام رقيب أول/ ولا حد يقدر يناوشنى/ أنا والطقم بس بندى كل حاجة/ فيه أعداء فى الحى من كل شكل/ أيوه هو دا كل الموجود/ فى الجولان، فى الصحرا، فى الجبال، فى الضفة، فى الغور (غور الأردن)/ لكن عُمرى قال لى إن العدو الأكبر فى الشرق الأوسط/ هو بشكل عام يوم الأحد العنيد/ جه الوقت إن احنا نقتله هو كمان!/ هنا أجدع محاربين/ بيدوا من قلبهم، بيقدموا روحهم/ محاربات، محاربون، أسرة واحدة/ يلا شوية همَّة كمان، يلا شوية همَّة كمان/ يلا سواعد كمان، يلا سواعد كمان/ يلا كفوف كمان، يلا كفوف كمان/ أنا طول الوقت مظلي، طول الوقت جاهز/ انقضاض تام بقوة كبيرة/ أسود الأردن (وحدة مختلطة من الرجال والنساء منتشرة فى شمال غور الأردن) بيتقدموا مع بعض/ الهندسة القتالية المفخرة/ ما تطفوش النار/ هنا أجدع محاربين/ بيدوا من قلبهم، بيقدموا روحهم/ محاربات، محاربون، أسرة واحدة.
مين مجنون؟ أنا مجنون/ مين مجنون؟ أنا مجنون».
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة