«ثيوسيدس» على طاولة بكين.. أثينا تحكى قصتها لترامب

طارق فريد زيدان
طارق فريد زيدان

آخر تحديث: الخميس 21 مايو 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

فى لقاء القمة الأمريكية الصينية، استحضر الرئيس الصينى شى جين بينج أمام نظيره الأمريكى دونالد ترامب «نبوءة ثيوسيدس»، أو ما يُعرف بـ«مصيدة ثيوسيدس»، وهى النظرية التى تشير إلى خطر اندلاع حرب بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة نتيجة التنافس بينهما. وقد استشهد شى بالحرب التى دارت بين أثينا وإسبارطة، والتى انتهت بانهيار أثينا ووقوعها أسيرة الفوضى.
غير أن هناك درسًا تاريخيًا آخر كان جديرًا بأن يسمعه ترامب من شى، وبخاصة أنه لا يقرأ كثيرًا، وهو درس الحلف الديلى. هذا الحلف الذى تأسّس بين المدن الإغريقية لمواجهة الخطر الفارسى. لم يكن مجرد تحالف عسكرى، بل كان تعبيرًا عن ضرورة العمل الجماعى فى مواجهة التحديات المصيرية. ومع مرور الزمن، تحولت أثينا من قوة حامية إلى قوة متسلطة، وبدأ التحالف يفقد توازنه، حتى انتهى إلى تفكك وانقسام أعادا الخطر إلى الواجهة.
التاريخ هو المعلم الذى لا يستأذن الكلام. حين يفتح أبوابه، فهو يهمس بسر من أسرار البدايات. لعل عقلًا باردًا يستطيع التقاط همساته التى تدل على إرهاصات المستقبل. هنا أستخرج فصلًا من كتاب البدايات وأسرد قصة تُعتبر من أساسيات العقل السياسى الغربى الحديث.
• • •
من على بحر إيجه، وقفت المدن الإغريقية الصغيرة فى آسيا الصغرى (الأناضول وبلاد الشام) بين خوفين: خوف من الجيوش الفارسية التى تتقدم، وخوف من الحضارة اليونانية التى قد تبتلعها. كان الهواء السياسى فى تلك الأيام ثقيلًا. وكانت الهمسات عن الغزو تمر بين الناس كما تمر الريح الباردة فى الأزقة الضيقة. فى قلب هذا الاضطراب، تنطحت المدينة الكبرى أثينا. أدارت وجهها نحو المدن المبعثرة وقالت لها إن الخلاص لا يكون إلا إذا اتحدت الأيدى قبل أن تتحد السيوف. وُلد الحلف الذى سيعرفه التاريخ لاحقًا باسم «الحلف الديلى» سنة 478 قبل الميلاد، نسبة إلى جزيرة ديلوس اليونانية. حلفٌ لم يولد من طموح سياسى، بل من الشعور العميق بأن النجاة عمل جماعى، وأن الخطر حين يعم لا يُواجه إلا من خلال قوة مشتركة.
جاء الانتصار. تراجع الفرس. انكفأت جيوشهم كما ينكفئ الموج عند صخور الشاطئ. عادت المدن إلى فضائها الطبيعى. لكن المعلم، أى التاريخ، لم يكن معنيًا بلحظة الانتصار بقدر ما كان معنيًا بما بعد اللحظة، بما بعد أن تُنسى. فالنصر، كما يعرف الجميع، لا يغلق الدفاتر، بل يفتح فصولًا جديدة. فصولا أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها.
مع مرور الوقت، بدأ التحالف يتبدل وإن بدا فى الظاهر راسخًا. صارت أثينا، حاملة راية الخلاص، تطلب من المدن المتحالفة تمويل العجز الذى خلّفته الحرب، ثم تمويل الاستعداد لحروب محتملة، ثم تمويل ما أصبح يُرى شبكة مصالح تميل أكثر نحو أثينا مما تميل نحو غيرها. كانت الضريبة فى بداياتها مشاركة مشروعة فى عبء الدفاع، لكنها مع مرور الأعوام اتخذت شكلًا آخر. تحولت إلى عبء متزايد لا يخلو من الإكراه الناعم، ثم من الإكراه الصريح حين حاولت بعض المدن الاعتراض.
هنا بدأ التحالف يفقد طبيعته الأولى، فإذا به يتحول فى وعى بعض أعضائه إلى أداة تسهم فى تكريس وجود مدينة واحدة. وبدأت الأسئلة الصامتة تظهر بين المدن: هل ما ندفعه اليوم لحماية أنفسنا؟ أم لحماية نفوذ أثينا؟ وهل الانتصار الذى تحقق ما يزال يحتاج إلى كل هذه الأثقال التى تُفرض باسم «الأمن المشترك»؟ هذه الأسئلة لم تكن مجرد تساؤلات عابرة، فقد كانت إشارات مبكرة على الشرخ الذى يتسلل إلى قلب الحلف كما يتسلل الماء إلى الخشب فيُخرّبه بهدوء.
لم تدرك أثينا ذلك فى البداية. كانت غارقة فى شعورها بأنها الحارس الوحيد للعالم الإغريقى، وأن قوتها هى الضمانة التى لا بديل عنها. وربما صدّقت، كما تصدق القوى المركزية عبر التاريخ، أن العبء الذى تتحمله يعطيها حقًا أخلاقيًا فى فرض شروطها.
لكن المدن الأخرى كانت ترى الأمر من زاوية مختلفة. كانت تتذكر لحظة الرعب الأولى التى دفعتها إلى الاتحاد، لكنها كانت ترى أيضًا أن الخطر الفارسى لم يعد كما كان، وأن الأعباء التى تترتب عليها تجاوزت حدود المنطق. كانت تشعر فى قرارة نفسها أن التحالف لم يعد يعكس توازنًا بين المدن، بل صار يميل ببطء وبثقل نحو أثينا وحدها.
ومع أن السفن كانت تواصل نقل البضائع بين الجزر والمدن، فإنها كانت تنقل معها أيضًا الهمسات المتوترة. وكلما وصلت سفينة جديدة إلى ميناء جديد، كانت تحمل معها مزيدًا من الشكوك فى جدوى الحلف، ومزيدًا من الامتعاض من مطالب أثينا. كأن البحر نفسه صار وسيطًا لانتقال الشعور بأن العقد الذى جمع المدن قبل سنوات بدأ يتفكك.
• • •
التاريخ لم يلتزم الصمت. كان يُراقب ويُسجّل هذه اللحظات بعناية. سجّل كيف تتحول القوة من نعمة إلى نقمة، وكيف ينقلب التحالف الذى وُلد لحماية المدن إلى عبء يرهق كاهلها. سجّل كيف أن أثينا المنتشية بانتصارها لم تنتبه إلى أن القوة حين تتضخم تصبح مثل السفينة الثقيلة التى يحتاج تحريكها إلى طاقة أكبر مما يحتمله البحر.
وفى لحظة ما بدأت المدن بالتمرد، واحدة تلو الأخرى. لم يعد الامتناع عن الدفع مجرد موقف مالى، بل إشهار لفقدان الثقة برأس الحلف نفسه. أمام هذا العصيان المتنامى، لم تجد أثينا إلا اللجوء إلى القوة. الشرخ أصبح شروخًا. التحالف تصدع بفعل القوة، وما إن تتحول قوة المركز إلى وسيلة لإخضاع الأطراف حتى يفقد التحالف روحه، مهما بدا قويًا من الخارج.
وبينما كان الحلف يتهاوى كما يتهاوى سقف قديم فقد أعمدته، كانت الإمبراطورية الفارسية التى هُزمت ذات يوم تجد طريقًا للعودة. لم تعد بحاجة إلى جيوش جرّارة هذه المرة. يكفيها أن ترى العالم الإغريقى ممزقًا بين أثينا والمدن التى كانت حليفة وصارت عدوة. هذا العالم بدا عاجزًا عن إعادة بناء الثقة المفقودة، ومثقلًا بأعباء تحالف لم يعد أكثر من ظلال على رمال متحركة.
• • •
هذه القصة ليست مجرد حدث من القرن الخامس قبل الميلاد. إنها درس فى طبيعة التحالفات حين تتجاوز عامل الخطر الذى من أجله وُلدت. درسٌ فى أن التحالفات التى تبقى بعد انتفاء الحاجة إليها تحتاج إلى توازن جديد وإلى معنى جديد، وإلا أصبحت عبئًا بدل أن تكون حماية.
التاريخ فى هذه الحكاية لا يقدم موعظة أخلاقية فقط، بل خريطة لفهم ما تفعله القوى الكبرى حين تقود تحالفات طويلة الأمد. تحالفات تبدأ من الخوف، ثم تنتقل إلى حماية الجماعة، ثم تتحول ببطء إلى مركز ثقل يستنزف الآخرين. وعندما تختل العدالة تبدأ الفجوة بالاتساع، وما إن تتسع حتى لا يعود ممكنًا ردمها، لا بالقوة ولا بذكريات المصالح التى تبددت.
تُعلّمنا أثينا درسًا ما يزال صالحًا إلى يومنا هذا: التحالفات التى تولد من رحم الخوف سرعان ما تموت حين ينتفى الخوف، والتحالفات، حتى تستمر، تحتاج إلى ما هو أعمق من مواجهة خطر عابر. تحتاج إلى عدالة، إلى توازن، إلى معنى، إلى قدرة على رؤية الآخرين لا كتوابع بل كشركاء. وإلا فإن مصيرها سيكون نسخة جديدة عما حلّ بالحلف الديلى، الذى انتصر فى الحرب وهُزم فى السلم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved