أسباب إضافية لـ«انعدام وقف المنان»
محمد بصل
آخر تحديث:
الخميس 21 مايو 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
ازدحمت الأيام الأخيرة بالمخاوف والظنون الممزوجة بالأوهام، حول وقف الأمير مصطفى عبد المنان، أو وقف المنان، الذي تريد هيئة الأوقاف فرض ولايتها عليه، وأصدرت مصلحة الشهر العقاري قرارًا بوقف التعامل على الأراضي المنسوبة إلى حُجة الوقف التي لم يرها أحد حتى الآن، والتي تشمل 421 ألف فدان من الأراضي الزراعية والصحراوية والمقام عليها عقارات وأنشطة سياحية واقتصادية وعمرانية مختلفة في محافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ، بما في ذلك مدن مركزية ومهمة مثل: رأس البر (التي تمثل بحسب الأوقاف الحد الشمالي الشرقي للوقف) ودمياط الجديدة وجمصة وبلطيم وبرج البرلس ومساحات شاسعة من مراكز كفر سعد وبلقاس والحامول والرياض وسيدي سالم.
هناك ما يبرر مخاوف المواطنين لأن النزاع بين الأوقاف من جهة والمحافظات الثلاث وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة من جهة أخرى أدى إلى "وقف حال" الأراضي المنسوبة للوقف، وارتباك واسع في السوق العقارية وعدم قدرة المواطنين على التعامل مع الشهر العقاري بشأن أملاكهم المتوارثة أو المكتسبة والثابتة لصالحهم.
وما يبرر الظنون السلبية أن التعامل الحكومي مع الأزمة لم يكن على قدر خطورتها. فلم يستجب أحد حتى الآن لنداءات وتحركات النواب -وكان أولهم نائب دمياط ضياء الدين داود- من أجل حل المشكلة وإعادة الأمور إلى نصابها وفق الأحكام القضائية المستقرة.
لكن لا شيء يبرر الأوهام بشأن حجة الوقف. وهذا بيت القصيد. فالحديث عنها اليوم بمثابة محاولة إضفاء المعقولية على شيء مناف لأبسط قواعد المنطق، وكأنه إحياء ميّت. والحقيقة المجرّدة أن الميت لا يعود.
إننا لسنا أمام "حجة وقف" بل "صورة حجة" غير كاملة وغير مرسومة الحدود وغير مسجلة وفق منظومة تسجيل الأوقاف القائمة منذ عهود الأسرة العلوية، وهي والعدم سواء بموجب أحكام نهائية وباتة صادرة من محكمتي النقض والإدارية العليا التي رفضت الاعتداد بالحجة، نشرت "الشروق" ملخصات لها يوم 13 مايو الجاري. وقالت وزارة الإسكان في مكاتبة رسمية وجهتها إلى مجلس الدولة إن الحجة باطلة ومنعدمة وكانت محلًا لحكم جنائي بالتزوير.
ولا تقتصر الأسباب على المضمار القانوني.
- فبالعودة إلى المراجع التاريخية مثل "الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر" للدكتور محمد محمد أمين (دار النهضة العربية 1980) و"الأوقاف والسياسة في مصر" للدكتور إبراهيم البيومي غانم (دار الشروق 1998) نجد أن جميع الأوقاف كانت من الأطيان (الأراضي الزراعية) والعقارات (المباني) بما يتماشى مع طبيعتها الفقهية، إذ أن الوقف في حقيقته الشرعية والقانونية "حبس عين والتصدق بمنفعتها" وفق ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" ومن ثم "لا يُتصرف فيها بالبيع أو الرهن أو الهبة ولا تنتقل بالميراث، أما المنفعة أو الريع فتصرف لجهات البر حسب شروط الواقف" بحسب تعريف الدكتور محمد كامل الغمراوي.
- بينما كانت نسبة كبيرة من الأراضي المنسوبة لوقف المنان مجرد صحراء جرداء، وبالأخص حدها الشمالي الشرقي عند رأس البر الحالية وامتدادها ناحية الجنوب الغربي بموازاة ساحل البحر المتوسط، وهذا ثابت من خرائط الحملة الفرنسية ومن الشهادات المتواترة عن بدء حركة السياحة الصيفية في رأس البر منذ بداية القرن العشرين فقط، حيث كانت قبل ذلك تحت سيطرة الجيش وخفر السواحل وأقيمت فيها معسكرات ومواقع دفاعية، مما ينفي تمامًا صلتها بأي وقف.
- أما الحد الغربي للحجة المزعومة وهو ترعة القنى بنطاق مطوبس وأحد مصارف كفر الشيخ، فالثابت أن الترعة شُقت في ثلاثينيات القرن العشرين ضمن جهود الأشغال والموارد المائية المصرية الحديثة، وأن المصرف المذكور لم ينشأ إلّا ضمن شبكة صرف الوجه البحري في القرن التاسع عشر، بحسب تقرير أعدته لجنة ثلاثية من مصلحة الخبراء عام 1999.
- ثم من هو صاحب الوقف؟ تجدب المراجع عن ذكر شخص باسم "الأمير مصطفى بن عبد المنان" وأقرب اسم يعود إلى شخص عاش في الشام اسمه "مصطفى بن قاسم بن عبد المنان" كان أبوه "قاسم" ناظر وقف سنان باشا بالشام (وليس بمصر) وخدمه وخدم ابنه محمد، ثم تولى "مصطفى" أوقاف السنانية بالشام بعد موت والده. ووفقًا لكتاب "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" لمحمد أمين بن فضل الله بن محب الدين، فقد ولد مصطفى هذا عام 1027 للهجرة وتوفي عام 1079 ودُفن في دمشق. بينما يُقال إن الحُجة موقوفة منذ عام 1008 هجرية، عندما كان مصطفى نسيًا منسيًا! وقد قدّمت محافظة كفر الشيخ إفادة موثقة بذلك في إحدى القضايا دافعةً بانعدام الوجود القانوني للحجة وللشخص المزعوم.
فمتى تضع الدولة حدًا لهذا الجدل المُثار في غير محله؟