سؤال لوزيرة البيئة

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: الأربعاء 22 يونيو 2022 - 11:36 ص بتوقيت القاهرة

فى مساء يوم الأربعاء الثامن من مايو، أقامت السفارة البريطانية بالاشتراك مع المجلس الثقافى البريطانى حفلا فى حديقة منزل السفير البريطانى المطلة على النيل، بمناسبة مائة وخمسين يوما على عقد مؤتمر الأطراف فى شرم الشيخ نوفمبر 2022. حضر الحفل جمع من المدعوين أغلبهم مرتبط بالأنشطة التى ينظمها المجلس الثقافى البريطانى.
حضر الحفل وزيرة شئون البيئة ووزير التعليم العالى وألقى كل من السفير ومديرة المجلس البريطانى ثم وزيرة البيئة كلمة قبل أن تدير مديرة المجلس البريطانى حوارا أشركت فيه اثنين من الشباب المصرى.
كان دافعى الرئيسى للحضور هو، بجانب بعض الفضول، تخيلى أنه سيسمح لنا بتوجيه أسئلة وللأسف الشديد خاب ظنى.
كنت أود أن أسأل عما قرأته فى الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ، وخاصة عن الفجوة التمويلية الهائلة التى تحددها والتى تقدر بنحو مائتين وخمسين مليار دولار، أى ما يقرب من خمسة تريليونات جنيه مصرى موزعة على السنوات القادمة. سؤالى ببساطة يتعدى كيف ستقوم مصر بتغطية تلك الفجوة لأننا نعرف جميعا أن تعهدات الدول المتقدمة بتوفير مليارات الدولارات للدول الأقل تسببا فى تغير المناخ والأكثر تأثرا به لم يتم الوفاء بها، والمطلوب الآن أضعاف تلك الأموال التى لم يتم الوفاء بها. وإذا أخذنا فى الاعتبار ما حدث فى خلال جائحة كورونا وأضفنا إليه تأثير الحرب فى أوكرانيا ستكون النتيجة ببساطة أن المساعدات أو لنسمها التمويل المطلوب ــ لو أتى ــ سيأتى ضعيفا للغاية وربما أيضا متأخرا للغاية.
• • •
مغزى هذه الفجوة هو ما يعنينى حقا فهل يعنى هذا أننا سنترك لأقدارنا ولتأثيرات تغير المناخ على الزراعة والمياه وغيرها تفتك بنا؟ هل سيترك الناس لمصير قاتم ويقال لهم لقد طالبنا ولكن لم يسمعنا ويدعمنا أحد؟ هل تقبل ذلك مصر وهى تعرف أنه الأكثر احتمالا أم تستطيع من خلال علمائها وخبرائها أن تطور خطة بديلة نستطيع من خلالها البدء فى مواجهة تلك الكارثة المناخية، والتعامل معها فى إطار قدراتنا وبصورة تعطى أولوية واضحة للمناطق والناس الأكثر تضررا؟
كنت أتمنى أن أسأل سؤالى على مسمع من الجميع لأنه ببساطة ليس سؤالا شخصيا وأتصور أن هذا ما يجب أن ينشغل به الجميع ويكون على رأس أولوياتهم. خاصة وأننى أشك كثيرا فيما قاله السفير البريطانى فى الحفل من أن التمويل الهائل المطلوب للمشروعات المختلفة لمواجهة التغير المناخى ستكون المهمة الرئيسية للدكتور محمود محيى الدين، بطل المناخ المصرى، وتعاونه مع بطل المناخ البريطانى نيجل توبينج ومارك كارنى البريطانى أيضا. وفى الحقيقة برغم ما أسمعه عن كفاءة وخبرات الدكتور محمود محى الدين إلا أن لدى ما يشبه القناعة الكبيرة أن هذا لن يحدث على الأقل بالصورة المطلوبة.
سأظل بانتظار الجواب من وزيرة البيئة وربما أيضا من المسئولين المصريين عن هذا الملف فى مؤتمر شرم الشيخ القادم. ولكن ونحن بانتظار ذلك دعونى أضع نفسى موضع مسئول المكتب الاستشارى الخاص الذى أعد مسودة تلك الاستراتيجية وأحاول تقديم تصور آخر ربما يساعدنا على البدء فى العمل فورا كما يضعنا فى موقف أفضل فى مفاوضاتنا للمطالبة بالتعويض العادل عن الخسائر والتأثيرات التى بدأنا نتعرض لها والتى ستستمر لفترة قادمة وربما تكون أكبر.
• • •
طبقا للمنظمة الدولية لصون الطبيعة فإن ما يقارب الجهد المطلوب للتخفيف من التغير المناخى يمكن تحقيقه من خلال ما يسمى الحلول المرتكزة على الطبيعة، والتى تتضمن ببساطة وقف تدهور البيئات الطبيعية واستعادة التنوع الطبيعى بها وخاصة فى وقف قطع الأشجار من الغابات، أو تحويل الأراضى الرطبة (مثل البحيرات الشمالية عندنا ونهر النيل) إلى استخدامات أخرى عن طريق الردم والزراعة أو الردم والبناء عليها أو تحويلها لمزارع سمكية محددة. وبالرغم من أهمية تلك الحلول التى تتضمن تنوعات كبيرة مثل استعادة النباتات التى تواجه خطر الانقراض (لدينا فى مصر مركز متخصص أنشىءلذلك منذ نحو عشرين عاما) والذى يمكن من خلاله تصور مثلا تحويل المناطق الخضراء فى الساحل الشمالى والتى تستخدم نباتات غازية ومستهلكة للمياه إلى مناطق تستخدم النباتات المحلية فتحسن من تربة تلك المناطق كما تقلل من استخدام المياه، بالإضافة للخدمات العديدة الأخرى التى تقدمها تلك النباتات مثل امتصاص ثانى أكسيد الكربون ودعم التنوع الطبيعى من خلال إعادة اجتذاب الكائنات مثل الفراشات وغيرها الهامة لدورة الحياة فى تلك الأماكن.
ما يميز تلك الحلول أنه يمكن تطبيقها أيضا فى المناطق السياحية الساحلية فى البحر الأحمر لتقليل الطلب الكبير على تحلية المياه والتى ينتج عنها السائل الملحى الضار للغاية بالكائنات البحرية وخاصة الشعاب المرجانية الحساسة للغاية، وفى نفس الوقت تحسن من البيئة الطبيعية وتوفر دعما للهوية الطبيعية لتلك الأماكن مما يزيد من قيمتها وجاذبيتها السياحية.
هذه الحلول المرتكزة على الطبيعة يمكنها أيضا أن تساهم بصورة كبيرة فى تحويل منظومة المياه للسكن والزراعة وزراعة الأسماك لمنظومة متجددة، كما يمكنها أن تساهم أيضا فى تحول الزراعة وسلاسل إنتاج الطعام وأيضا منظومة النقل. وتتميز تلك الحلول فى معظمها بأنها منخفضة التقنية ومنخفضة التكلفة. تحتاج ولاشك لدعم للمعرفة والبحث العلمى الذى يمكن من تطوير الابتكارات التى نعرفها ويشجع تلك التى نحتاجها، ولكن هذا الدعم يمكن أن تبدأه الدولة ويمكن أن أيضا أن توجه جزءا من التمويلات الموجودة فى مشروعات مقاربة للتجارب الرائدة بما يسمح بتقييمها وتطويرها.
كما تتطلب تلك الحلول، التى من طبيعتها أنها لامركزية، طرقا أخرى لإدارة المناطق المحلية فى مصر تعتمد على كفاءات وقدرات ومهارات محلية وهو ما يصعب تحقيقه فى الإطار الحاكم الآن. وأتصور أن تطوير قانون الإدارة المحلية يصبح فى هذا الإطار إحدى الأولويات الرئيسية للتمكين من تحول حقيقى تقوده كفاءات وتساهم فيه المجتمعات المحلية بدون إقصاء وتتمكن تلك المجتمعات فى إطاره من محاسبة القائمين عليه.
• • •
من سنوات عديدة وأنا أناقش أفكارا عن الاستدامة وأوقفتنى ملاحظة أعتقد أنها هامة لكاتب غربى يدعى «جوشوا ياتس»، هل يمكن أن نصل لحلول فى إطار التفكير فى الاستدامة بالرغم من أنها وليدة الحضارة الحديثة التى بنيت على الثلاثى: التصنيع والمدينية والاستهلاك والتى أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنها غير مستدامة؟ ما أفهمه هنا هو أننا لا يجب أن ننتظر ممن يقوم نظامه على تدمير الطبيعة أن يخرج لنا بحلول لإنقاذها. ربما نحن والدول الأفريقية الأخرى نكون قادرين فى هذا الإطار على تقديم مساهمة فعالة لإنقاذ أنفسنا والمساهمة فى إنقاذ الآخرين أيضا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved