فيلم رائع لعمر الشريف.. لم يسمع به أحد

جلال أمين
جلال أمين

آخر تحديث: الثلاثاء 21 يوليه 2015 - 8:35 ص بتوقيت القاهرة

فى عنوان هذا المقال بعض المبالغة بالطبع، ولكنه لا يبعد كثيرا عن الحقيقة.

أقصد فيلما جميلا جدا لعمر الشريف، رأيته فى قديم لا زمن، وربما كان من أجمل ما رأيت فى حياتى من أفلام، لولا أنى لا أستطيع التحقق من صحة موقفى هذا، لأنى فشلت فشلا تاما فى أن أحصل على نسخة منه بأية طريقة لأشاهده من جديد، حتى فى هذا العصر الذى أصبح من الممكن فيه الحصول على أى شىء، من أى مكان.

الفيلم تونسى، أخرجه مخرج فرنسى، وتدور أحداثه فى تونس فى قرن ماضٍ، وقام بالبطولة فيه عمر الشريف، فعندما كان عمره ٢٦ عاما. كان اسم عمر الشريف قد بدأ يلمع فى السينما المصرية، ولكنه لم يكن قد تعرف بعد على هوليوود. كان هذا فى سنة ١٩٥٨، وقد رأيت الفيلم فى لندن، بعد شهور قليلة من وصولى للبعثة فى إنجلترا، وكان يعرض فى سينما متميزة فى شارع أكسفورد فى وسط لندن، اسمها سينما الأكاديمية Academy Cinema وكانت تعرض الأفلام الأجنبية المختارة بعناية، ولكن لم يعد لها وجود الآن، إذ قامت محلها عمارة عالية تحتوى على مكاتب تجارية.

اسم الفيلم «جحا البسيط» Goha The Simple وقد راعنى جمال قصته ومناظره وإخراجه. لست متأكدا من السبب الذى يجعلنى أتذكر بعض تفاصيله حتى الآن، رغم مرور ما يقرب من ستين عاما على مشاهدتى له. هل لأنى عدت إلى مشاهدته مرة أخرى فى السينما نفسها بسبب انبهارى به؟ أم لأنى كتبت عنه خطابا مفصلا لأخى حسين، الذى كان فى القاهرة؟ أيا كان السبب فها هو ما أتذكره عن الفيلم.

جحا فى الفيلم شاب تونسى من أسرة متواضعة الحال، وكثيرة العيال، أكثرهم من البنات، ولعله كان هو الذكر الوحيد. حار أبوه فيه بسبب غرابة أطواره، رغم ظرفه وطيبته وذكائه. كان فيما يبدو إلى جانب ذلك، واسع الخيال لدرجة تفوق المألوف، ويعرف ما يريد بالضبط، ولا يرضى بأقل منه.

أما سعة الخيال فتظهر، كما أتذكر، من منظر يسير فيه جحا إلى جوار حماره، ولاحظ جحا انتظام خطوات الحمار وما يصدر عنه من صوت وإيقاع، وجد فيه جحا ما يشبه الموسيقى، وتذكر أن أباه كان قد فقد منذ أيام ساعته التى كان يصدر عنها إيقاع مماثل كلما وضعها جحا ملامسة لأذنه، فتصور أن الحمار قد ابتلع ساعة أبيه، إذ كيف يصدر عنه نفس إيقاع الساع المفقودة؟

أتذكر أيضا منظره وهو يحاول أن يشرح لصبى صغير نغمات السلم الموسيقى، ووجد الصبى صعوبة فى استيعاب ما يقول، حتى صادفا سلم أحد المنازل، وكان يتكون من سبع درجات هى عدد نغمات السلم الموسيقى، فأخذ جحا يصعد درجات السلم ثم يهبط عليها مكررا أثناء ذلك النغمات السبع حتى استوعبها الصبى.

أرسله أبوه إلى جامع الزيتونة الشهيرة فى تونس، عسى أن يتعلم من شيوخه ما ينفعه، ورأى جحا المشايخ جالسين فى صحن المسجد، وقد استند كل منهم إلى أحد أعمدته، وجلس حوله تلاميذه ومريدوه، فوجد أحدهم يقول لتلاميذه إن الأرض كروية، بينما سمع آخر يقول إنها منبسطة وسطحها مستو مثل سحن المسجد الذى يجلس فيه. تعجب جحا من أن مشايخ المسجد لا يستطيع الاتفاق على رأى واحد فى شىء مهم كهذا، فقال ما معناه إنه سيتركهم ولن يعود إليهم حتى يسمع أنهم اتفقوا على رأى.

ولكن مأساة جحا تبدأ بوقوعه فى الحب. كان فى المدينة شيخ عجوز وقور وطيب القلب، وكان له زوجة كبيرة السن، وأراد أن يتخذ له زوجة أخرى صغيرة السن دون أن يطلق زوجته. بل إنه أرسل زوجته الأولى «كما يبدو أن كان شائعا فى المجتمع التونسى فى ذلك الوقت» لتخطب له الزوجة الجديدة من أهلها. تم الزواج، ولكن الزوجة الجديدة الشابة، كانت تجلس كل يوم حزينة إلى جانب شرفتها «المشربية» تحادث وصيفتها وتشكو لها ما تشعر به من وحدة مع زوجها الذى يكبرها بعشرات السنين.

رأت جحا من المشربية وهو يسير بحماره فى الشارع، يحادث المار ويضاحكه، فجذبتها وسامته وظرفه، وتمنيت لو كان لها زوج فى مثل شبابه، وأرسلت وراءه وصيفتها للاستعلام عنه. تطور الأمر حتى نشأت علاقة حب بين جحا والزوجة الشابة، سرعان ما عرف بها الزوج الذى شعر بأن الخطأ فى الأصل كان خطأه هو، إذ يقدم على الزواج من فتاة فى سن أحفاده، قام الزوج بتطليقها، فعادت ذليلة إلى بيت أبيها الذى عاقبها العقاب الذى يسترد به شرفه أمام أهله وعشيرته.

أما جحا فقد عذبه شعور مُضن بالذنب وراح إلى الشيخ الزوج باكيا يطلب منه الصفح. أظهر له الشيخ من الشفقة والعطف ما يتفق مع طيبة قلبه، ولكن هذه المعاملة الطيبة زادت من عذاب جحا وتأنيب ضميره، إلى درجة دفعته إلى الانتحار بإلقاء نفسه فى النهر.

نهاية الفيلم محزنة ولكنها لا تتعارض مع ما عرفناه عن شخصية جحا منتطور أحداث الفيلم.

والفيلم على أى حال شديد الجاذبية بجعه بين قصة واقعية وخيال جامح، وتقديمه أثناء ذلك لعدد من اللوح الجميلة تصور حياة مجتمع شرقى لم يكن قد تعرض بعد لتأثير الحضارة الغربية، فبدت ثقافته منسقة ومنسجمة الأجزاء سواء ما نحب منها وما نكره.

***


لماذا لا أجد أثرا لهذا الفيلم الآن؟ لقد دخل عمر الشريف العالم الواسع بعد ظهور هذا الفيلم بأربعة أعوام، باشتراكه فى فيلم شهير هو «لورانس العرب»، حيث قام بدور الشريف على، فذاع صيته.

ثم قام بدور البطولة فى فيلم أكثر نجاحا هو «دكتور زيفاجو» بعد ذلك بثلاثة أعوام أخرى. وقد أدى الشريف هذين الدورين الأخيرين ببراعة، ولكنها لم تبلغ فى رأيى مقدار براعته فى فيلم جحا، وإنما اعتمدت شهرته فى الفيلمين الأخيرين على وسامته وجاذبيته الشخصية وملامحه الشرقية، وهو ما ضمن استمرار الطلب عليه فى السينما الأمريكية طالما استمر شابا جذابا. ومع ذلك، ورغم نجاحه الكبير أيضا فى فيلمين آخرين مثَل فيهما إلى جانب باربارا سترايسند (فتاة مرحة وامرأة مرحة)، فقد ظل فيلم جحا فى نظرى هو أجمل أفلامه على الإطلاق، مع أنه أقل أفلامه شهرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved