لماذا يتجدد الإرهاب وتنمو الدعشنة؟!

ناجح إبراهيم
ناجح إبراهيم

آخر تحديث: الجمعة 21 يوليه 2017 - 8:50 م بتوقيت القاهرة

* داعش تمثل أسوأ فكر سوبر تكفيرى يكره الآخر كله ويقتله، حتى الآخر المسلم ولا يرحم أحدا، والسؤال المهم هل نحن حقا نحارب الدواعش أم أننا دون قصد ندفع الناس إلى الدعشنة الفكرية على الأقل، وبعض مما يحدث فى مصر يدفع للدعشنة ويؤدى إليها.

* يكفى أن تدخل مطار طوكيو لتقرأ يافطته الرئيسية «فكر لتبدع» أما فى مطار القاهرة فاليافطة الرئيسية «تايجر وسيطر» وكأن مصر اختصرت فى إعلان تجارى تافه عن سلعة تافهة لا تشرف أى دولة بإنتاجها، فلا هى طائرة أو سيارة حديثة أو اختراع يهز الدنيا مثل الواتس أو الفيس بوك أو الكمبيوتر ونحوه، فمصر أكبر من صناعة الشيبسى، وما دمنا لا نفكر ولا نطلق حرية الإبداع فإن الفكر الداعشى سيترسخ وينتشر سواء مارس العنف أم لم يمارسه أو ظل كامنا فى العقول.

* جاء شاب مبدع فاكتشف منطقة صغيرة مهملة بالقرب من مدينة نصر تتبع أحد الجهات الحكومية، كانت المنطقة فيها أكوام زبالة وموقفا عشوائيا للسيارات، وجدها منطقة مثالية لوضع لوحات إعلانية كبيرة تؤجر للبنوك أو شركات الاتصالات، كتب الفكرة ووثقها فى الشهر العقارى، ثم ذهب إلى الجهة الحكومية وعرض عليها الفكرة التى أذهلتهم وأعجبوا بها كثيرا وقالوا إنها لا تخطر على العفاريت، وأخبرهم أنه سجلها فى الشهر العقارى لكى لا يعطوها لغيره، وأخبرهم أنها ستدر على الدولة مبلغا هائلا.

* وفجأة وبعد أسابيع وجد أن هذه الجهة أعطتها لرجل من ذوى النفوذ، غضب فى نفسه كثيرا وذهب إليهم قائلا: هذا رجل كبير لديه مال كثير ولا يحتاج لمثل هذا المشروع، ولكنى شاب مبدع أحتاج لبناء نفسى، فستكسب البلد شابا طموحا مبدعا، أما الرجل الكبير فلا يحتاج لشىء وقد بنى نفسه منذ زمن ولكن كلامه ذهب أدراج الرياح، شعر بالدعشنة تجرى فى دمه فاستعاذ بالله منها. 

* ظلم أحد الشباب فى وظيفته فإذا به يصيح فى الحاضرين: «مطلعوش داعش اللى جوايا» أى لا تخرجوا الشر الكامن بداخلى والذى أريد وأده.

* تفشى الرشوة والفساد والمحسوبية تخلق المشاعر والأفكار الداعشية، إذا حرم البعض من حقه خرجت أفكاره وطباعه الشريرة إلى العلن، حالة الصراع السياسى المحتدمة فى مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن تدعم الدواعش بطريقه غير مباشرة، غياب المصالحة الوطنية الشاملة، بقاء شباب كثير لم يمارس العنف فى السجون، أو سجن أبرياء، أو بقاء السجين السياسى دون معاملة كريمة وترك قلبه مرتعا للحقد والغل يسرح فيها ويمرح، عدم التواصل معهم فكريا ورحمته إنسانيا سيجعل فكره وقلبه يميل إلى الداعشية أو يؤيدها بمشاعره دون أن يشعر.

* تفشى البطالة فى القرى هى الآفة الكبرى التى تدعم الدعشنة فــ«المعسكر التى تسوده البطالة يكثر فيه الشغب» كما يقول المثل، الذئاب المنفردة الآن لا تحتاج إلى تنظيم أو سلاح أو متفجرات، يمكن لشاب محتقن ظلم أو بخس حقه فى أى مؤسسة حكومية أو غذى بفكر متطرف أو لم يجد عملا أو مسكنا بسعر مناسب أن ييأس فيضر وطنه ضررا بالغا، فالشاب الأحمق الذى قتل السائحتين الألمانيتين قتل السياحة الأوربية لمصر لفترة غير قصيرة، يحتاج مثل هذا الشاب لدراسة حالته، ما الذى أغاظه من مجتمعه، وما سر الكراهية لنفسه ووطنه والناس، ترى أى فكر تسرب إليه أو أى تصرف حدث له فدفعه لذلك.

* الدولة المصرية شبه غائبة عن القرى، والحكم المحلى غائب فى المدن والأحياء فما بال القرى، فى القرى حواضن الدعشنة والإرهاب كثيرة جدا لا تكاد تحصر.

* يتساءل البعض دوما: كلما قضينا على الإرهاب توالد بعد سنوات، وكذلك البلطجة تولد أجيالا متعاقبة، وكلما قوضت الدولة أوكارا للمخدرات نشأت أخرى، فكيف تتوالد هذه الأجيال المتعاقبة؟ سؤال يتكرر باستمرار؟
* والإجابة يسيرة، فعدد القرى فى مصر بلغ فى آخر إحصاء للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء 4655 قرية، استغرق الإحصاء الأخير أربعة أشهر وأثبت حقائق مروعة ضمنها تقريره الذى صدر منذ عام تقريبا وكان عنوانه «قرى مصر تعيش فى العصور الأولى».

* أثبت التقرير أن 82% من قرى مصر تفتقر إلى المدارس الثانوية وأن 60% منها تحتاج إلى مدارس وأن 37% منها ليس فيها مركز ثقافى، وأن8,3% فقط من القرى توجد بها مكتبات عامة ثابتة، 8,2% فقط بها مكتبة للطفل و20% فقط بها مراكز خدمات تعليمية، أما مراكز الشباب فتوجد في7,% فقط من القرى، أما المقاهى فى القرى فهى أكثر عددا 65%.

* أما ما لم يقله التقرير إن أغلب المراكز الثقافية والرياضية صورية ولا تقدم خدمات ثقافية أو رياضية حقيقية، فموظفوها ليسوا أصحاب رسالة أو إبداع.

* كما أظهر التقرير أن 3,74% من قرى مصر لا يوجد بها صرف صحى ،والقرى التى فيها صرف صحى تعانى من انسداد الشبكات بين الحين والآخر، وأكثر المحافظات التى تعانى قراها انسدادا فى شبكات الصرف الصحى هى كفر الشيخ والفيوم والجيزة والقليوبية، وأن71% من ترع القرى مسدودة بالقمامة المتراكمة ولا تصلح للرى، و7,43% فيها حيوانات نافقة، 27% من الترع والمصارف متهالكة.

* وأظهر التقرير أن 97% من قرى مصر محرومة من الغاز الطبيعى، وتعانى 15% من قرى مصر من انقطاع المياه بصفة دورية، وتعانى 20% من انقطاعها لمدة يومين.

* والخلاصة أن الدولة المصرية موجودة كسلطة وسيادة ولكنها غائبة خدميا تماما فى أى قرية مصرية، وهناك فى كل قرية قرابة عشرة آلاف شاب لا يوجد لديهم عمل ولا أمل، ولا حاضنة سياسية فكل الأحزاب السياسية المصرية ميتة بفعل فاعل، ولا حاضنة دعوية وسطية فالأوقاف ضعيفة فى القرى وكذلك الأزهر، ولا حاضنة تربوية بعد فشل المدارس تعليميا وتربويا وخاصة القرى لا تعليم ولا تربية فيها، ولا حاضنة ثقافية، ولا حاضنة رياضية، وليس أمام هؤلاء الشباب إلا الجلوس على المقاهى كل يوم، مع تجرع إحباط، بطالة، يأس متتابعة لكل شباب القرى تقريبا.

* لقد أطلق أحدهم بعد نتيجة الثانوية العامة الأخيرة حكمة قال فيها: «الأوائل هذا العام مثل كل عام من القرى والمراكز، ولكن المناصب ستكون لأهل المناطق الراقية وأبناء ذوى النفوذ «وهذه والله صادقة، فحتى المشروعات الكبرى للبترول والغاز والأسمدة كلها على أطراف الإسكندرية وبجوار قرى كفر الدوار ولا يعمل فيها أحد من هذه القرى ولو حتى مجرد عامل كما يعبر أهل هذه القرى.

* فكفر الدوار مثلا بها 40 قرية كانت قديما قلعة من قلاع الصناعة المصرية والآن ضاع منها كل شيء، وأصبحت قراها وكرا للجريمة والبلطجة. 

* لا تسأل عن الإرهاب طالما أن البطالة تأكل الأخضر واليابس، لا تسال عن الإرهاب طالما هناك صراع سياسى حاد يحتاج للمصالحة الوطنية، وطالما غابت كل الحواضن الصحيحة للشباب عامة وفى القرى خاصة سياسية ودعوية وتربوية وفكرية وثقافية ورياضية واجتماعية.

* لا تسأل عن الإرهاب طالما أن المجتمع ضعيف والدولة سعيدة بقوة مؤسساتها فقط، الجناح الآخر للوطن مكسور، ويحتاج لإصلاح عاجل.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved