لم يستدل على جثتها

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 21 أغسطس 2021 - 8:25 م بتوقيت القاهرة

عثروا على بقايا جثة مجهولة ملقاة على الطريق، لم يستدل على معالمها لشدة تفحمها. احترقت السيارة بالكامل واختلطت الأشلاء، فلم يمكنهم التأكد من هوية الضحايا. فى لحظة اتحد الصمت والصوت. الأرض اهتزت غضبا. انتفضت ضد الإفلات الدائم من العقاب. كانت السيدة حادة الذكاء والشر، تُعلِم إبليس الرذيلة، وها هى قد ذهبت فى رحلة إلى الجحيم. سافرت كعادتها مع الأصدقاء، ولكن هذه المرة لم تُكتب لها العودة. لا تحتمل فكرة أنه سيتم دفنها فى مقبرة دون علامات ولا يوجد عليها اسمها، وهى التى كانت تحب الزهو والخيلاء. ربما لن يجدوا ما يمكن دفنه. تراقب ما يحدث، منذ أن انفصلت الروح عن الجسد، وتحلق هائمة فى الفراغ. هل تنتحب أم تستعيد هدوءها وتمسح دموعها؟ تريد أن تشعل سيجارة وتنفث دخانها بضجر وعنفوان وعصبية كما دأبت أن تفعل. أخذت تفكر وسرحت فى الملكوت.

قرأت كثيرا ضمن ما قرأت عن علاقة الروح والجسد وماهية الإنسان عند المصريين القدماء، فقد كانوا يعتقدون أنه يتكون من عناصر مختلفة بعضها مادى وبعضها غير مرئى أو أثيرى، هناك الجسد والظل و«البا» وهى الروح الهائمة الحرة التى تنعم بمجال حركة واسع، و«الكا» أى قرين الروح والعنصر الفارق بين الشخص الحى والميت و«آخ» وهو الجزء النورانى من الروح، إلى ما غير ذلك. كان الموت بالنسبة لهم بوابة العبور للعالم الآخر حيث الخلود، لذا اخترعوا فن التحنيط فى محاولة للحفاظ على سلامة الجثة لمدة طويلة، حتى تتمكن الروح فى العالم الآخر من التعرف عليه ويبعث من جديد، وبالتالى إذا أراد أحدهم إيذاء المتوفى فقد كان يمثل بجثته أو يكسر أنف تماثيله ويهشم يديها، وأحيانا يمسح الاسم من على المقبرة، كل ذلك كى تضل الروح طريقها ويصبح مصيرها الموت النهائى الذى لا يصيب سوى الملعونين. ماذا لو كان هذا هو مصيرها المحتوم، جزاء على ما فعلت؟
•••
كل التراث الجنائزى لمصر القديمة أخذت صوره تتلاحق فى مخيلتها، وهى تنظر عن بعد لما تبقى من جسمها المتدهور بحكم السن. علقت خصلة من شعرها الأبيض المنبوش بحطام السيارة، فتصورت أنها ستعاقب بالمشى على يديها، رأسها إلى أسفل ورجلاها مرفوعتان إلى أعلى على سبيل الإذلال، هكذا كان يعامل الفراعنة بعض المتوفين الأشرار معاملة الأعداء، يحكمون عليهم بوضع يقلب الجهاز الهضمى، ومن ثم يمر البراز والبول إلى الفم.
تخاف لأنها تعرف نفسها وما اقترفت من ذنوب. لحظات من الرعب المستمر. جاءت البومة وجاءت الحدأة، وهى تفزع من فكرة أن تظل هائمة دون مأوى أو عالقة بقبر ضيق مجهول. وقعت فى الفخ بعد أن كانت هى من تنصب الكمائن للناس مثل العنكبوت، إذا دخلوا فى شباكها لم يستطيعوا الفكاك. انضمت إلى قائمة الأشخاص، من الرجال والنساء، الذين غلف الغموض تفاصيل حياتهم وعبثت بهم الأقدار، بعضهم قتل ولم يعثر على جثته، وبعضهم تلاشى وكأنه دخان، ومنهم من ابتلعته الأرض دون سبب واضح أو معلوم.
***
ظلت سجينة أفكارها السوداء، وبمرور عدة أشهر جاء خبر صغير فى الصحف عن دفن مشرحة زينهم فى مصر لعشرين جثة مجهولة الهوية بمقابر الصدقة الخاصة بمستشفيات جامعة القاهرة. كانت ضمن جثث وضعت داخل ثلاجات حفظ الموتى لفترة طويلة ولم يستدل على هوية أصحابها، حتى أصدرت النيابة العامة قرارات بدفنها بمنطقة زينهم. بعض أهل الخير يتركون عادة أرقام هواتفهم للاتصال بهم فى حالة دفن جثث مجهولة، حتى ينالوا ثواب التغسيل والتكفين والنقل. فتحت مسئولة المقابر عددا من العيون وتم كتابة رقم الجثة على المقبرة وفى دفتر الجبانة، تحسبا للتعرف عليها فيما بعد عن طريق الصور التى تم التقاطها للجثة بمجرد دخولها المشرحة. فى حالتها هى، لا أمل.. فما تبقى منها لا يمكن أن يستدل عليه أحد. صارت مجرد رقم على مقبرة. حاولت خنق شهقة ذعر، بعد أن أطفأت المدينة أضواءها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved