شاهين والبوصلة السينمائية
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
عندما مرت ذكرى وفاة يوسف شاهين تذكرت أن مخرجنا الراحل هو نتاج للتعدد والتنوع الذى كان يميز مصر قبل زمن الصحوة المشئومة، وأنه كان أحد هؤلاء الذين الذين نظر إليهم عموم المصريين على أنهم خواجات رغم مصرية بعضهم الصميمة.
ومع ذلك فما زلت أرى أن شاهين رغم فهمه الجيد للسينما إلا أن ثقافته الأوروبية التى غاب عنها البُعد العربى وهذا النقص المعرفى والثقافى أضاع عليه القدرة على التواصل مع روح هذا الوطن، وإن كان قد حاول تعويض هذا من خلال تبنيه المواقف الوطنية، ولكن هيهات! هذه ليست دراسة نقدية لسينما يوسف شاهين لكنها خواطر ترد على البال عند تذكر فنان كان يمكن أن يكون عالميا بحق لولا أنه لم يهتم بتعلم اللغة العربية، اكتفاء بالعامية المصرية مثل الخواجات، فضيع على نفسه كنزا ضخما من أشعار المتنبى وروايات نجيب محفوظ.. وهذا الكنز فى ظنى كان كفيلا بضبط البوصلة الزائغة!
مشكلة شاهين فى رأيى أنه لم ينجح فى تحويل الارتباك وعدم اليقين والتشوش العقلى الذى ينتاب المفكرين عادة إلى فن.. لقد نقله إلى الشاشة كما هو دون أن يعيد تنظيمه، لذلك لم تصل أعماله للجمهور ولا لأعضاء لجان التحكيم فى المهرجانات الدولية، بينما وصلت لهم تهويمات وكوابيس وشطحات فديريكو فيللينى وإنجمار بيرجمان وستانلى كوبريك ورومان بولانسكى.
ولا أدرى هل من المناسب انتقاد سينما شاهين وسط جوقة لا تزال تراه السينمائى الذى رفع رأس مصر أمام العالم؟.. هل من المناسب أن أقرر أننى لم أنظر بارتياح إلى معظم أفلام يوسف شاهين ولم أر فيها آيات العبقرية التى تحدث عنها البعض، وأننى كنت أشعر بدهشة عندما أرى الميديا ترقص من أجل فيلم جديد ذهب به شاهين إلى «كان» بعد أن قدم الخلطة المناسبة للمهرجان ولجهة الإنتاج الفرنسية ومع هذا يعود خالى الوفاض دون جوائز! ولا أدرى هل من اللائق أن أقرر أننى شعرت بالغضب بعد أن خدع بعض النقاد الجمهور وأوهموهم أن شاهين قد فاز بجائزة مهرجان «كان» عن فيلم المصير، بينما الجائزة كانت شرفية ولا تخص عملا سينمائيا بعينه.
لقد أيقنت بعد فيلم المصير بالذات أن شاهين - وإن كان موهوبا فى تقنيات السينما - إلا أنه لا يصلح لأن يعبر عن مصر أو يمثلها، لأنه قدم فيلما عن ابن رشد يتحدث أبطاله بعامية عزبة الهجانة! هذا ليس أمرا ثانويا، لكنه تعبير عن ازدراء الجمهور العربى اكتفاء بأصدقائه الذين سيشاهدون الفيلم بالفرنسية. إن فيلما عن ابن رشد لا بد وأن يكون الحوار به بلغة عربية راقية مثلما فعل «ديفيد لين» مثلا فى أفلامه لورانس العرب ودكتور زيفاجو والطريق إلى الهند.. لقد فهم «لين» أن هذه الأفلام لا يجوز أن يكون حوارها بلهجة شباب البرونكس الصايع أو زنوج المسيسبى! ولم يكن الأمر وجهة نظر إخراجية، لكن السبب أن يوسف شاهين لا يعرف اللغة العربية المكتوبة.. هو يعرف العامية المنطوقة لكنه لا يقرأ الأدب العربى ولا الشعر العربى مثلما يقرأ الأدب الفرنسى ويفكر بالفرنسية ويكتب سيناريوهاته بها! كرر شاهين الاستهانة نفسها فى فيلم اليوم السادس عندما أحضر ممثلة فرنسية «داليدا» تتحدث عربى مكسّر لتقوم بدور فلاحة! لقد بدا أنه يريد أن تصل رسالته بأن الممثل هو عنصر ثانوى فى السينما لا يرقى لأهمية الديكور والإضاءة، وأن المخرج هو الأساس، ومن المؤكد أن غيره من المخرجين بالخارج نجحوا فى تأكيد أهميتهم دون التحقير من شأن عنصر التمثيل.
أما فيلم «الآخر» فبالغ السذاجة وقد حاول مناقشة قضايا كوكبية بسطحية شديدة، وقدم ظاهرة الإرهاب على نحو بالغ الركاكة بشكل يدفع الجمهور للتعاطف مع أعداء شاهين لا أن يكرههم! أما فيلم باب الحديد فإن الجمهور أقبل عليه ليرى فريد شوقى وهو يضرب الأشرار، فلما لم يجد هذا خرج من السينما يسب ويلعن ولم يحفل بحكاية قناوى وهنومة التى ظنها شاهين قصة أيقونية!.. وتبلغ الركاكة منتهاها فى فيلم وداعا بونابرت الذى يراه دراويش شاهين جوهرة فنية، بينما هو فيلم فرنسى مائة بالمائة، حتى لو ردد بطله جملة تقول «مصر حاتفضل غالية عليّا». وحتى فيلم العصفور أراه حالة من الادعاء ولا أصدقه، فعلى الرغم من جودة فكرته إلا أن أغنية مصر يامة يا بهية وحدها لا تصنع فيلمًا جيدا. شاهين رأى مصر بعيون سائح، وقد يكون هذا السائح طيب القلب، ومع ذلك فقد كنت أتمنى أن يقوم بإخراج العصفور مخرج يختلط إبداعه بطين هذا الوطن لا بعيون مستشرق.
وبالنظر إلى التراث السينمائى المصرى يسوءنى أن الحركة النقدية تجاهلت إبداعات مخرجين كبار مثل كمال الشيخ وبركات وفطين عبد الوهاب وعز الدين ذو الفقار بسبب الانشغال بحلقات الذكر فى مولد يوسف شاهين!
لا يعنى ما سبق أننى لا أحب شاهين، رحمه الله، لكنه يعنى أننى أنظر إليه بحسبانه رجلا عولميا يحب سليمان الحلبى كما يحب كليبر ويؤيد السيد عمر مكرم دون أن يرفض المعلم يعقوب.. مثله مثل أصدقائى الخواجات المصريين الذين عرفتهم فى كندا.. ودودين وطيبين، لكنى لا أستطيع أن أتعشم فيهم أو أن أطلب منهم حمل السلاح من أجل مصر، بينما أستطيع أن أتوقع هذا من محمد خان وخيرى بشارة وداوود عبد السيد وعاطف الطيب وسمير سيف ومحمد أمين.