أحمد رأفت.. الإنسان فى ثوب الجنرال (2-2)

ناجح إبراهيم
ناجح إبراهيم

آخر تحديث: الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:50 م بتوقيت القاهرة

• قدمنا فى الجزء الأول من هذا المقال نبذة مختصرة عن إنسانية الجنرال الذهبى أحمد رأفت، ونواصل اليوم فى الجزء الثانى عرض محطات مهمة من إنسانيته:


• الجنرال أحمد رأفت هو ضابط الأمن السياسى الوحيد الذى كان يتحدث بنفسه إلى عدة آلاف من المعتقلين ويقدمنا للحديث بكلمات ومقدمات رائعة، وقد أبدع مع قادة الجماعة الإسلامية تقليدا رائعا وهو إقامة حفل ترفيهى فى نهاية محاضرات كل سجن، فيه أحاديث لكبار قادة الجماعة الإسلامية وحديث ممتع له فيه قفشات ونكات تتخلل كلاما رصينا دقيقا له يشرح فيه وجهة نظر الدولة والأمن فى موضوع المبادرة، فضلا عن الأناشيد والتواشيح وبعض الفقرات الفكاهية ونكات السجون، وأغانٍ من تأليف المعتقلين تسخر من حال السجن مثل قصيدة «ده مرار»، وكان الجميع يضحك.


• والحمد لله أن كل هذه الأحاديث والندوات، وحفلات الختام مسجلة صوتا وصورة، وهذه من إبداعاته وقد تخوفنا من التسجيل فى البداية فلما عايشنا تجربة المبادرة أدركنا أن توثيقها صوتا وصورة كان عملا إيجابيا رائعا، وأنه سيعلم أجيالا كثيرة من الفريقين كيف يصنع السلام والوئام وكيف يتحول الناس من منطق الصراع والسلاح لمنطق التغافر والتسامح، وكيف يمكن تحويل فقه المراجعة وفقه النقد الذاتى من سطور مكتوبة فى الكتب إلى واقع وتجربة حية تتحرك على الأرض.


• كان الجنرال أحمد رأفت يرى أن أى معتقل يخرج من السجن إن لم يوجد له عمل مناسب أو تسعى الدولة لإعادته لعلمه فإنه سيمثل شرخا فى المبادرة أو قنبلة موقوتة، ومما لا يعرفه الكثيرون أن هذا الرجل سعى فى تعيين آلاف المعتقلين فى القطاع الخاص عن طريق رجاله فى الأفرع حتى قال البعض إنه حوّل أفرع الأمن الوطنى إلى أماكن للخدمة الاجتماعية.


• وقد قال لنا يوما: إننى أخذت وظيفة وزارة العمل التى لم تقدم لى أى عون فى توظيف المعتقلين فقمت بهذه المهمة وحدى مع رجالى حتى تم تعيين آلاف المعتقلين فى شركات كثيرة، وترقى أكثرهم فيها إلى درجات المديرين لكفاءتهم ونزاهتهم.


• من ذكائه وإنسانيته أنه لم يتدخل فى كتابة كتب المراجعات وترك لنا هامش حرية كبيرا ثقة فينا رغم أن ضباطه الصغار كانوا يبدون ملاحظات كثيرة، وقد تفكرت فى هذا الأمر فوجدت أن نظرته كانت بعيدة لأن الزمن سيحدث أثرا فى تطوير الفكر باستمرار مع الاحتكاك بالحياة الصاخبة وقضاياها المتشابكة، فقد كان فى غاية المرونة حيث لم يتدخل أبدا فى أى كتاب كتبته ولم يبد عليه أى ملاحظة، وكنت أعجب لسعة أفقه مع قدرته على وضع كل موضوع فى نصابه الحقيقى، فلا يعطل مشروعا ضخما من أجل كلمات أو سطور تتطور بفعل الزمن من تلقاء نفسها وبأيدى أصحابها.


• وقد كرر كثيرا قوله : لقد أخذت وظيفة وزارة الثقافة وقتها حيث لم تتشجع للمشروع من أساسه ورفضت طبع كتب المبادرة، وإذا به وبعلاقاته المتشعبة ينجح فى إقناع بعض دور النشر لطبعها ويسعى كذلك لتوزيع بعضها فى مكتبات الجامعات والمساجد والمدارس ومراكز الشباب.


• فلم يكن اللواء أحمد رأفت ييأس أبدا وكان يملك عزيمة جبارة لا يفلها الحديد مع دقة فى تحديد أهدافه والوصول إليها، ولو حكيت عن ريادته فى عشرات الأمور التى تمت ما صدق ذلك أحد، وحينما تنظر إلى المبادرة تجد أنها أخذت كل جهده فى سنواته الأخيرة وكنت تشعر بأنه يحب هذه التجربة ويحب كل من شارك فيها سواء من أبناء الجماعة الإسلامية أو ضباطه أو ضباط السجون الذين شاركوه التجربة.


• أكرم وفادة كل من سلم نفسه أو أراد تسوية موقفه أو جاءه من تلقاء نفسه، واختصر له كل الإجراءات وحطم له الروتين.


• ومن إنسانيته أنه رأى ضابطا صغيرا من ضباط السجون فى الوادى الجديد يعانى مرضا شديدا ولكنه لا يستطيع الراحة فلمحه وأمر بسفره فورا للقاهرة بالطائرة للعلاج محطما قواعد الطوارئ التى كان فيها.


• المرحوم أحمد رأفت ما ترك مشلولا إلا ويسر له كل شىء داخل السجن وخارجه وما رأى معتقلا يحتاج جراحة إلا وأسرع فى إجرائها، ولا فقيرا إلا وساعده، ولا طالبا يريد الحصول على شهادة إلا وأعانه على ذلك.


• وهو أول من حطم الروتين الحكومى فى كل شىء للتيسير على كل المعتقلين.


• لقد حوّل السجون التى كانت سمعتها أسوأ ما تكون مثل سجن الوادى الجديد والعقرب إلى جامعات ونوادٍ فيها من الحب والود الخالص بين المعتقلين والأمن.


• رحم الله الجنرال الذهبى أحمد رأفت الضابط الفذ والإنسان العظيم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved