الخط الأحمر والالتفاف التدريجى
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
فكرة استعمال ماء النيل سلاحًا سياسيًا أقدم من إثيوبيا الحديثة ومن السد نفسه. وقد نبّه جمال حمدان، قبل السد بعقدين، إلى أن الخطر على نهرنا لا يأتى من الطبيعة بل من السياسة. ولم يكن يتنبأ بقدر ما كان يقرأ التاريخ؛ فقد ذكّر بأن ملكًا فارسيًا فى القرن الرابع قبل الميلاد فكّر فى تحويل مجرى نهر كان يُعتقد أنه أحد منابع النيل، عقابًا جماعيًا للمصريين. فكرة لم تُنفَّذ، لكن نظيرها استقرّ فى الوعى المصرى خوفًا؛ ففى «الشدة المستنصرية» جاع المصريون وسرت بينهم شائعة بأن حكام الحبشة سدّوا مجرى النهر.
وفى عام 2020 استعاد مسلسل عنوانه «ديستوبيا.. اللحظات الأخيرة» تلك الشدة نفسها، تخيّل فيه كاتبه شريف عبدالهادى مصر بعد اكتمال ملء السد. والذى تغيّر اليوم أن إثيوبيا لم تعد تنفى الصورة بل صارت تعلنها.
• • •
الجديد ليس السد القائم، بل ما بعده. أعلن وزير المياه والطاقة الإثيوبى أن بلاده تستعد لثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق بسعة تخزينية تقارب 140 مليار متر مكعب، تُضاف إلى نحو 74 مليارًا خلف سد النهضة. لكن الرقم ليس أخطر ما فى التصريح؛ الأخطر عبارة واحدة، هى أن تدفق المياه إلى دول المصب سيكون تحت سيطرتنا. قارن ذلك بخطاب 2011 سد للتنمية، ولا ضرر على أحد. وهكذا تعمل إثيوبيا منذ البداية: خطوة تُنكَر، ثم تُبرر، ثم تصير أمرًا واقعًا يُبنى عليه ما بعدها. وقد بدأ ذلك بحجر أساس وُضع فى أبريل 2011، على خرائط أمريكية رسمت مواقع هذه السدود فى الستينيات.
ومصر لا تملك هامشًا تتنازل عنه؛ فالنيل يجمع رافدين: أبيض ثابت التدفق على مدى العام، وأزرق يحمل الحصة الأكبر لكنه يأتى مركزًا فى موسم الفيضان، ومن يمسك بالأزرق يمسك بالكمية والتوقيت معًا. وقد تجاوز استهلاكنا 88 مليار متر مكعب، تُسدّ الفجوة بإعادة الاستخدام والمعالجة، حتى صار نصيب الفرد نحو 500 متر مكعب، أى نصف المتوسط العالمى. وأى نقص إضافى على أرضية بهذه الهشاشة يخرج مباشرة من الأرض المزروعة ومن الكهرباء ومن المخزون خلف السد العالى؛ وسيناريو التحكم وحده قد يكلّفنا 38 مليار متر مكعب و6 ملايين فدان من أصل 9.5 مليون.
وعودة الملف إلى الواجهة الآن ليست مصادفة؛ فالإقليم فى لحظة اشتعال، وتُطرح على مصر مساومات متكررة: استيعاب تهجير من غزة، وانخراط فى مواجهات فى اليمن وإيران وغيرهما. والموقف المصرى ثابت: لا تهجير، ولا حل عسكرى، والمسار هو دولة فلسطينية مستقلة.
وفى هذا التوقيت تحديدًا يعود الحديث عن السد من إثيوبيا ومن واشنطن معًا. فقد قال الرئيس الأمريكى علنًا أكثر من مرة إن مصر لا تستطيع العيش بهذه الطريقة، وإنها ستنتهى إلى نسف السد، مذكّرًا بأنه أوقف تمويلًا لإثيوبيا. وفى الجملة تعريف بورقة ضغط أكثر منه عرض للمساعدة؛ فالطرف الذى شارك فى تمويل الأمر الواقع هو نفسه من يعرض اليوم إزالته مقابل ثمن.
وقد انتقلت مصر بدورها إلى إعلان خط أحمر ثانٍ. كان الأول ألا تنقص حصتها قطرة واحدة، وأضافت إليه ألا يُبنى سد جديد. وبين الخطين مسار من الاحتواء ثم الاقتراب، بعلاقات متشعبة مع الصومال. فوزير الرى أعلن أن مصر لن تسمح بسدود جديدة، ومعه خطاب إلى مجلس الأمن يحفظ حق الدفاع عن الأمن المائى، ثم أعلن وزير الخارجية أن المسار التفاوضى بلغ طريقًا مسدودًا، وأن مصر تحتفظ بحقها القانونى فى الدفاع عن مصالحها الوجودية بكل السبل. وبلغة السياسة، من يعلن أنه سيتحكم فى ماء غيره يكون قد أعلن حربًا، ومن يردّ بأنه لن يسمح يكون قد رسم خطًا أحمر- فهل تختبره إثيوبيا؟
• • •
السودان، رغم صمته، هو الخاسر الأكبر لو شُيّدت السدود الثلاثة. صمته مفهوم: حرب تستهلك الدولة، وموقع يجعل المياه تمرّ عليه أولًا، واقتناع بأن السد حماه من الفيضان. لكن السدود الجديدة تعطّل خزانَى الروصيرص وسنار، وتُخرج مشروع الجزيرة بمليونَى فدان من الخدمة، وتكلّفه ما يقارب ثلث ناتجه المحلى. والأخطر أن القتال فى ولاية النيل الأزرق يتمدّد نحو الكرمك وقيسان ثم الدمازين، حيث سد الروصيرص، وهو عين مصر الفنية لمتابعة ما يخرج من سد النهضة؛ ومن يعبث بتلك المنطقة يعبث بمجال مصر الحيوى.
غير أن الرد على تهديد وجودى بانفعال ليس سياسة؛ فالسد قائم، وخلفه نحو 70 مليار متر مكعب على ارتفاع 640 مترًا، وانهياره يمسح مدنًا سودانية بأكملها. وحوله ممولون ومستثمرون من الصين وأمريكا وأوروبا والخليج، وأكثر من عشر قواعد أجنبية بين بربرة وبورتسودان. ومن يتحرك هناك لا يواجه إثيوبيا وحدها، بل يمنح المتربصين ما ينتظرونه: جبهة بعيدة تستنزف الموارد، ولا تبنى مستقبلًا، وتعمّق صورة عن مصر يجرى الترويج لها فى إفريقيا.
• • •
لكن ثمة فارقًا حاسمًا بين ما بُنى وما لم يُبنَ بعد. فالسدود الثلاثة ليست أمرًا واقعًا بل مشروعًا يحتاج إلى تمويل ومقاولين وضمانات تأمين، ومشروع كهذا لا يتوقف بالغضب، بل حين يرتفع سعر المخاطرة عند من يموّله وينفّذه. وهنا يكتسب التحوّل الهادئ فى الصناعة العسكرية المصرية معناه: فما يُعرض فى معرض العلمين مطلع سبتمبر، وما سبقه من مذكرات لتوطين التصنيع فى الهيئة العربية للتصنيع، ليس إعلان حرب ولا خطة عملية، إنما هو رسالة بأن قدرة الدولة لم تعد رهن مورّد يأذن أو يمنع. والمستثمر وشركة التأمين والمقاول يقرأون هذه الرسالة قبل أى جيش، ويسعّرون على أساسها. والردع المُشهَر قبل صب الخرسانة أرخص ألف مرة من الردع بعدها.
ومن هنا تبدأ سردية مختلفة عن ثنائية "حرب أم تفاوض" التى أنهكتنا 15 عامًا:
أولًا: معركة التمويل؛ فأى منشأة على مجرى دولى بلا اتفاق ملزم تحمل مخاطرة قانونية وسيادية عالية، وأدواتنا فيها مجلس الأمن وبنوك التنمية وشركات التأمين.
ثانيًا: تحويل الخط الأحمر إلى إجراء محدد، بأن تكون لحظة وضع حجر الأساس هى اللحظة الفارقة، مع بقاء الوسيلة فى منطقة الغموض.
ثالثًا: فك الاشتباك بين الملفات؛ فالماء ليس ثمنًا لموقف سياسى.
رابعًا: كل متر مكعب يُوفر بالرى الحديث والمعالجة وترشيد التركيب المحصولى هو متر لا يملك أحد أن يتحكم فيه.
وأخطر ما فى الملف ليس الخطأ فى التقدير، بل اتخاذ القرار قبل أوانه. والدفع لا يأتى من الخارج وحده، من حليف يستعجلنا أو خصم يلوح بحجر أساس، بل قد يأتى من الداخل أيضًا؛ حيث الشارع يطلب فعلًا فوريًا، فيضيق على الدولة مساحة المناورة ويحرمها حق اختيار اللحظة. وما يحتاجه ملف بهذا الحجم هو برودة المهندس لا حرارة الخطيب. فالنهر لا يُدار بالغضب، لا غضب من يستعجلنا ولا غضبنا نحن، ولكنه يُخسر بالغفلة.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية