بيومى أفندى

محمود قاسم
محمود قاسم

آخر تحديث: الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

كان يوسف وهبى هو أكثر أبناء جيله استفادة من ثقافته الخاصة، والتعليم الذى حصل عليه، والسفريات الأوروبية التى حققها، خاصة فى إيطاليا وفرنسا، وعندما عاد إلى مصر وضع عينيه على المسرحيات والروايات العالمية، وأخرج الكثير منها فى أفلام قام ببطولتها، وكان حريصًا أن يشرك معه تلاميذه من أعضاء فرقة رمسيس سواء فى السينما أو المسرح، وقد طال العمر به، وهو غزير الإنتاج، خاصة فى الثلاثينيات والأربعينيات، لدرجة أنه حمل لفظ لقب البكوية، وهو أمر لم يحصل عليه الكثير من زملائه الذين عملوا معه، أو كانوا موجودين فى تلك الآونة، وقد حرص أن يحول تلك النصوص الأدبية إلى مسرحيات يكتبها بنفسه، ويقوم ببطولتها، ومنها على سبيل المثال: «عريس من إسطنبول»، و«سفير جهنم»، و«رجل لا ينام»، وأيضًا فيلم «بيومى أفندى» الذى أعده بالكامل، وقام بتمصيره وأشرك فى بطولته كل من تلاميذه مثل فاخر فاخر، وميمى شكيب، وسراج منير، وغيرهم، والملاحظ أن يوسف وهبى هنا قد استوحى الفيلم عن مسرحية فرنسية تحمل عنوان «الأب ليبونار»، والذى قامت بدور البطولة أمامه فاتن حمامة فى دور ابنته زينات، وكانت فاتن فى تلك الفترة فى سن التاسعة عشرة، حيث نرى بيومى الساعاتى الذى يقوم بتصليح الساعات القديمة، ويعيش فى حى شعبى مع زوجته المتمردة زبيدة، وهى تمثل الكثير من النساء السلبيات من حولنا، فهى غير قنوعة أو مقتنعة بزوجها وهو الآن فقير، لكنه رجل ماهر فى عمله، ما يدفعه إلى الترقى، وفيما بعد يصبح صاحب محل كبير فى وسط المدينة يبيع فيه الساعات، ومن خلال هذا المحل صار تاجرًا ثريًا، وانتقل إلى طبقة اجتماعية أعلى، وها هى ابنته المراهقة زينات معجبة به وتراه قدوة يحتذى بها فى الحياة، وذلك عكس زبيدة الزوجة التى مهما كسبت من أموال فهى على شراستها، وتوحشها، وكم تشعر بالفخر حين تأمر زوجها أن يؤدى لها بعض الخدمات مثل ارتداء البالطو أو الحذاء أمام الآخرين، ويمعن النص فى وصف هذه المرأة، حيث يكتشف بيومى بعد سنوات أن أحد ولديه هو من ثمرة علاقة قديمة بين زوجته ورجل من الأعيان، لذا فإن أشقاء هذا الشاب يرفعون قضية لفضحه أمام المجتمع، ويحاول بيومى أفندى بكل ما لديه من قدرة على التسامح الوقوف مع هذا الشاب فى محنته، كى يرد له شرفه الضائع، وهكذا فإن بيومى يكشف الحقائق، لكنه أبدًا لن يتغير، فهو لا يستطيع أن يفضح زوجته.


لقد عرف بيومى الحقيقة من خلال شوكت بك الوالد الحقيقى الذى أوصى لابنه بمئة فدان لكن هذا لم يشفع له، لقد سعى بيومى أفندى بعد أن صار من البكوات أن يقوم بعدل الميزان فى الحياة من حوله، حيث يوافق أن تتزوج ابنته من الدكتور كمال، لكن يبدو أن القصاص لن يتم هنا على الجميع، ولكن فى المقابل فإن التسامح والغفران يكونان بمثابة السلوك البديل الذى يمكن اللجوء إليه.


استطاع يوسف وهبى من خلال تلك الأدوار السينمائية أن يقدم أقنعة متعددة الأشكال تختلف عن الأداء المباشر الذى تميز به فى المسرح وفى بعض أفلامه السينمائية، وكان يوسف وهبى قد نقل إلى الشاشة الكثير من العبارات المسرحية بمنطوقها فى بعض أفلامه ومنها «بيومى أفندى»، لكن هناك أفلامًا أخرى استطاع بحرفية أن يتخلص من يوسف وهبى المصطنع، وكان فى أحسن حالاته طوال رحلته عندما يقدم أفلامًا كوميدية، سواء من إخراجه أو من إخراج الآخرين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved