روشتة لاستخدام القوة الناعمة
محمد زهران
آخر تحديث:
الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
ما مفهوم القوة الناعمة؟
هل يجب أن نهتم بها؟
كيف تستخدم الدول النامية القوة الناعمة؟
فى التسعينيات من القرن الماضى ابتكر جوزيف ناى مصطلح القوة الناعمة، جوزيف ناى (توفى 2025) هو أمريكى متخصص فى العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع للشئون الأمنية الدولية سابقا، انتشر هذا المصطلح وأصبح يستخدم بغزارة ليس فى الأوساط السياسية فحسب لكن فى جميع الأوساط الثقافية والفنية إلخ للدلالة على أهمية هذا الوسط كقوة ناعمة.
لكن غزارة الاستخدام جاءت على حساب دقة الاستخدام، وأصبح كل ما هو بعيد عن الشئون العسكرية والاقتصادية يُسمى بالقوة الناعمة، مقالنا اليوم ليس فقط لضبط المصطلح لكن لبيان الاستخدام الأمثل للقوة الناعمة، ولبيان أن لكل دولة طرقها لهذا الاستخدام، وما يصلح لدولة قد لا يصلح لأخرى، وما سنناقشه اليوم هو رؤية كاتب هذه السطور والذى تأمل أن تؤدى إلى مناقشة أكثر عمقا للقوة الناعمة واستخدام أكثر كفاءة لها.

• • •
ما القوة الناعمة؟
حيث إنه بأضدادها تعرف الأشياء، فأسهل طريقة لتعريف القوة الناعمة هو تعريف القوة الخشنة (أو الصلبة) وهى القوة العسكرية أو الحصار الاقتصادى أو الضغط السياسى، كل دولة تبحث عن مصالحها، هذا بالتالى يقود إلى تضارب مصالح، الدولة الأقوى هى التى ستملى شروطها على الدول الأضعف، قد يكون هذا بالقوة العسكرية أو الحصار الاقتصادى، والساحة العالمية اليوم مليئة بالأمثلة على ذلك.
القوة الناعمة هى جعل الدول الأخرى تتبعك لأنها مقتنعة (أو منبهرة) بك، نرى ذلك مثلا عندما استخدمت أمريكا هوليوود والسينما الامريكية التى جعلت الجميع يحلم بالذهاب إلى أمريكا، مثال آخر من القوة الناعمة الأمريكية هى الشركات التكنولوجية الكبرى والمؤسسات التى تبهر الأجيال الجديدة، يمكنك بسهولة أن تلمح نظرة انبهار عندما تذكر كلمات مثل جوجل ومايكروسوفت وأبل ووكالة ناسا إلخ، مؤخرا ظهرت القوة الناعمة لكوريا الجنوبية متمثلة فى الأفلام والمسلسلات الكورية التى بدأت تنتشر، ناهيك عن القوة الناعمة الفرنسية المتمثلة فى المطبخ الفرنسى والفنون.
هذا هو التعريف البسيط للقوة الناعمة، لكن كيف تستفيد الدولة من قوتها الناعمة؟ قد تُعجب الدول بالمطبخ الفرنسى، لكنها قد لا تطيع فرنسا عندما تتعارض المصالح على الساحة الدولية، فما أهمية القوة الناعمة إذا؟

• • •
فوائد القوة الناعمة
القوة الناعمة تستطيع تحقيق أهداف لا تستطيع القوة الخشنة تحقيقها، مثلا القوة الناعمة تستطيع إقناع السياح بالقدوم إلى البلاد، أو مشاهدة الأفلام التى تنتجها، لا تستطيع الجيوش القيام بذلك. هناك فوائد جمة للقمة الناعمة، على سبيل المثال:
• السياحة: إقناع الأجانب بالقدوم إلى بلادنا يؤدى إلى فوائد اقتصادية سواء عن طريق العائد الاقتصادى أو زيادة فرص العمل فى القطاع السياحى. لكن هناك نقطة غاية فى الأهمية، عدد السائحين القادمين للبلاد مؤشر مهم، لكن وحده لا يعطى الصورة الكاملة، مقومات القوة الناعمة المتعلقة بالسياحة ليست فقط المتاحف والآثار والطبيعة، لكن أيضا التجربة على الأرض، إذا جاء سائح لرؤية أفضل المتاحف فى العالم لكن اجتمع عليه البائعون الجائلون، أو تمت معاملته بطريقة غير لائقة فسيكون أسوأ سفيراً ضد البلاد، لذلك تجميع معلومات عن تجربة كل سائح مؤشر على جانب عال من الأهمية بجانب عدد السائحين.
• الجامعات: كلما تحسنت سمعة جامعاتنا كلما كان هذا دافعا للأجانب للقدوم للدراسة عندنا. الفائدة على المدى القريب اقتصادية بحتة، وهى المصروفات التى يدفعها هؤلاء الطلاب الوافدون، لكن الهدف الأهم يأتى على المدى الأبعد. من يتعلم عندك ثم يعود إلى بلده يكون أفضل سفير لك، وإذا أصبح سياسيا كبيرا أو رجل أعمال مرموقا فى بلاده فسيكون على استعداد كبير لمساعدة بلادك.
• المنتجات: القوة الناعمة تُعتبر من أقوى أدوات التسويق لمنتجات البلاد، ولا أقصد فقط التماثيل الفرعونية أو أوراق البردى، لكن أيضا الطعام يعتبر سلعة، وجود مطاعم للبلاد فى مختلف بلاد العالم هو أيضا سلعة وصورة من القوة الناعمة، كل الصادرات تستفيد فى تسويقها من القوة الناعمة للبلاد.
• الدبلوماسية: القوة الناعمة تعتبر سلاحا على موائد المفاوضات، هذه النقطة بالذات قد لا تكون بوضوح النقاط السابقة، الدولة ذات القوة الناعمة القوية تحوز على ثقة الدول الأخرى، وهذا يجعل المفاوضات أسهل، المفاوضون أنفسهم إذا كانوا قد تعلموا فى بلادنا أو زاروها وأعجبوا بها فسيكون هذا نقطة قوة لنا فى أية مفاوضات.
• الاستثمار: تشجيع الاستثمار من الشركات الكبرى ورجال الأعمال الكبار الأجانب لا يأتى فقط من تسهيل الإجراءات وتقليل الضرائب، لكن استقرار البلاد وقدرتها على الابتكار وتمتعها بثقافة عميقة ومتصلة بالعالم تعتبر كلها من وسائل الجذب، وتلك الوسائل ما هى إلا مقومات القوة الناعمة.
عندما نفكر فى تحسين قوتنا الناعمة يجب أن نفكر أيضا فى كيفية الاستفادة منها، كيف نجعل العالم يقرأ كُتبنا؟ الترجمة مجرد خطوة أولى، قد تترجم الكتاب لكن لا يشتريه أحد، كيف نجعل العالم يشاهد أفلامنا ويرتبط بها؟ من هى الدول التى يجب أن نستهدفها بقوتنا الناعمة؟ طبعا العالم كله مستهدف لكن يجب أن تكون هناك خطة لاستهداف مجموعة أولى من الدول ثم مجموعة ثانية، ثم ثالثة، وهكذا، الترتيب يعتمد على مصالحنا الآنية والمستقبلية سواء على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد.
كل هذه الأسئلة وأكثر هى خطوات على طريق بناء قوة فاعلة قوية ومؤثرة.
• • •
القوة الناعمة سلاح لا يجب أن تغفل عنه أية دولة، لكن استخدامه يجب أن يكون مدروسا بحيث يحقق أهدافا محددة سلفا، الدول النامية يمكنها أن تستخدم القوة الناعمة بكفاءة أكثر من الدول الغنية أو صاحبة القوة الخشنة إذا ما خططت لذلك جيدا، ويجب أن نعى أن القوة الناعمة ليست بالضرورة متناسبة مع القوة العسكرية أو الاقتصادية للدولة.