المنطقة الرمادية
صحافة عربية
آخر تحديث:
الجمعة 21 أغسطس 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
نادية الخالدى
هناك مراحل فى حياتنا لا نكون فيها أمام طريق صحيح وطريق خاطئ، بل أمام طريقين لكل واحد منهما مكاسب وخسائر. هنا ندخل ما يمكن تسميته بـ«المنطقة الرمادية»؛ تلك المساحة التى لا نملك فيها يقينا كافيا لنقول نعم، ولا شجاعة كافية لنقول لا.
فى علم النفس واتخاذ القرار توجد ظاهرة معروفة باسم انحياز الوضع الراهن Status Quo Bias. أظهرت دراسة كلاسيكية لـ William Samuelson وRichard Zeckhauser أن الناس يميلون بصورة غير متناسبة إلى الإبقاء على الوضع الحالى عندما يكون أحد الخيارات هو «عدم التغيير»، حتى فى قرارات مهمة وواقعية.
وهذا يفسر سؤالا نسمعه كثيرا:
«إذا كنت غير مرتاحة، لماذا لا أغيّر؟».
لأن الإنسان لا يقارن دائما بين «الجيد والسيئ»، بل قد يقارن بين ألم يعرفه وألم لا يعرفه، فيختار الألم المألوف لأنه أكثر قابلية للتنبؤ.
هناك عامل آخر يزيد المنطقة الرمادية اتساعا: البحث عن الخيار المثالى.
فى دراسة منشورة فى Journal of Personality and Social Psychology، وجد Barry Schwartz وزملاؤه أن الأشخاص الذين يميلون إلى البحث المستمر عن «أفضل خيار ممكن» ارتبط لديهم هذا الميل بمزيد من الندم والكمالية، وبمستويات أقل من الرضا عن الحياة والسعادة مقارنة بمن يقبلون بالخيار الجيد والكافى.
وهنا المفارقة:
قد نظن أن الإنسان الذى يفكر أكثر سيصل حتما إلى قرار أفضل، لكن التفكير الزائد لا يعنى دائما جودة أعلى فى القرار. أحيانا يعنى فقط أننا أصبحنا أكثر مهارة فى اكتشاف عيوب كل خيار.
• • •
عندما تحتار فى قرار، جرّب أن تكتب الخيارات بدل أن تتركها تتصارع داخل رأسك. ضع أمام كل خيار: ماذا سأكسب؟ ماذا سأخسر؟ ما أسوأ احتمال واقعى؟ وإذا حدث، هل أستطيع التعامل معه؟
ثم اسأل نفسك سؤالا مختلفا تماما:
لو لم أكن خائفا، ماذا كنت سأختار؟
ليس المطلوب أن تنفذ الإجابة فورا، لكن هذا السؤال يفصل غالبا بين «ما أريده» و«ما يمنعنى من اختياره».
وضع موعدا نهائيا للقرار. لأن التفكير المفتوح بلا نهاية يسمح للعقل بإنتاج احتمالات جديدة كل يوم. قل لنفسك مثلا: سأجمع المعلومات حتى الخميس، وفى الخميس سأقرر بالمعلومات المتاحة، لا بالمعلومات المثالية.
ومع ذلك، ليست الشجاعة أن نختار الجديد دائما، كما أن البقاء ليس جبنا دائما. قد يكون القرار الناضج أحيانا أن تبقى، وأحيانا أن تغادر. المهم أن يكون البقاء قرارا لا عجزا، وأن تكون المغادرة قرارا لا اندفاعا.
والقاعدة التى أحب أن أضعها أمام أى شخص عالق فى المنطقة الرمادية هى:
لا تبحث عن القرار الذى يضمن لك ألا تخسر شيئا؛ ابحث عن القرار الذى تستطيع أن تتحمل خسائره وتحترم أسبابه.
اجمع ما يكفى من المعلومات، اعرف قيمك، احسب المخاطر، اختر بوعى، ثم تحمل مسئولية اختيارك بدل أن تقضى عمرك واقفا بين بابين.
فعدم اتخاذ القرار قرار أيضا، وله ثمن قد لا نراه إلا متأخرين.