العرب وقوميات الجوار
مصطفى الفقي
آخر تحديث:
الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 5:55 م
بتوقيت القاهرة
لم تواجه منطقة من المناطق الجغرافية فى العالم درجة التداخل العرقى والاختلاط المذهبى مثل ما شهدته منطقتنا فى الشرق الأوسط وغرب آسيا، فهى موزاييك لكل الأديان والمعتقدات وممر لكل الثقافات والحضارات، كما أن الديانات السماوية الثلاث كما نعرف قد ظهرت وازدهرت فى هذه المنطقة من العالم، وكان من نتيجة كل ذلك أن تشابكت دول الجوار بينها وتداخلت المحطات الإنسانية فيها، ولم نعرف من بين أقاليم العالم إقليمًا اكتسب من الأهمية وشد إليه أنظار وحفاوة الجيران به مثل ذلك الذى نطلق عليه أيقونة العالم ودرة العقد، خصوصًا أن الله سبحانه وتعالى قد اختص شعوب المنطقة بحس فنى متميز وقدرة كبيرة على التواصل مع الغير.
وقد تداخلت فيه القوميات فأصبحت لا تجد دماءً خالصة فقد اختلط العرب بالفرس والترك والكرد فضلاً عن بقية القوميات الأخرى التى تركزت لديها إحدى هذه القوميات أو أكثرها، فالتعددية سمة أساسية من سمات الشرق الأوسط بما فى ذلك الجزيرة العربية والشام الكبير والعراق ودول الخليج العربى وصولاً إلى الحدود المصرية.
وهدفى من هذا المقال هو أن أوضح بجلاء أن دول الجوار العربى قد نأت بنفسها عن السقوط فى الخلافات الثنائية المطروحة على الشعوب وآثرت أن تبحث عن الرباط الإسلامى الذى تجمع وشائجه شعوب المنطقة فى إطار الأمة الواحدة، ولعلى أسجل هنا أن الأزمات الأخيرة التى مرت بها المنطقة خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلى الطويل والمرير على شعب غزة، كان من نتائجه تضامن المسلمين إلى جانب العرب فى رفض ذلك العدوان الغاشم ومؤازرة الشعب الفلسطينى الذى دفع ويدفع واحدة من أغلى فواتير النضال الوطنى من دماء أبنائه فى العصر الحديث، ولابد أن أعترف هنا أن اهتمامنا فى بعض المراحل كان عنصريًا بالتركيز على قومية دون غيرها بل والمضى مع وهم التميز العربى عن سواه وهو أمر يشترك فيه عموم المسلمين فى أنحاء العالم إذ يعتبرون العروبة نتيجة طبيعية لظهور الإسلام لذلك لم يهتم العرب كثيرًا فى العصور الأخيرة الماضية بخصوصية العلاقة مع عدد من دول الجوار، وقد حاولت جامعة الدول العربية فى مرحلة معينة أن تفتح نوافذ تطل منها دول الجوار على الواقع العربى ولكن الأمر تركز فى الغالب حول القضية الفلسطينية وتمحور فى كيفية إدارة الصراع ومقاومة إسرائيل وسياساتها العدوانية، ولقد كان من إيجابيات العقود الأخيرة أن شهدنا اهتمامًا مشتركًا بين الدول العربية والمجموعة الإسلامية لتغيير الواقع فى المنطقة، ولعل دور كل من تركيا وباكستان هو تعبير واضح عن ذلك الذى نشير إليه، ولقد حان الوقت الذى يجب أن نراجع فيه مسارات الانتماء بين دول الشرق الأوسط وإمكانية تحقيقها على النحو الذى يخدم القضايا العربية العالقة فى ظل الظروف الدولية المعقدة التى يشهدها العالم فى الحقبة الأخيرة والذى تتهدده العديد من المخاطر والأزمات من كل اتجاه، ولعلنا نوجز فى النقاط التالية بعض المخاطر التى تلزمنا بضرورة التحرك نحو الأمام فى هجرة فكرية نمضى وراءها لصياغة تطور العقل البشرى وحماية سكان هذا الكوكب، وأهم تلك النقاط ما يلى:
أولاً: تتميز منطقة الشرق الأوسط وإقليم غرب آسيا بشكل عام بأنها احتوت قوميات متعددة ضاربة بجذورها فى التاريخ البعيد وقد تشابكت تلك القوميات فى قرون مضت وتركت بصماتها على الحاضر والمستقبل، فالعلاقة بين العرب والفرس أو الموالى عمومًا من عجم وقوقاز بدءًا من أواسط آسيا إلى حدود البحر المتوسط علاقة عميقة، وهو أمر افترضنا به دائمًا أن الجوار نعمة ولكنه قد يتحول أحيانًا إلى نقمة حين تشتد النزعات العنصرية وتبحث العناصر المتطرفة عن أسباب التباين وعوامل الاختلاف وتنقب وراءهما فى التاريخ البعيد والقريب لتزرع الخلافات بين الجميع، ونحن نعرف أن للأتراك ميراثًا طويلًا مع العرب فهم الذين تدخلوا إلى حد كبير فى رسم الخريطة السياسية لدويلات المنطقة تحت المظلة العثمانية والخضوع الكامل لدولة الخلافة حتى فى ظل قرنها الأخير عندما أطلق عليها الجميع صفة «رجل أوروبا المريض».
ثانيًا: إن الميراث التاريخى الذى ينتقل من جيل إلى جيل فى المنطقة العربية هو ذاته الذى صنع الشبكة المعقدة لنسيج المنطقة والتداخل الكبير بين شعوبها، إذ إن معظم الدول العربية هى وريثة حضارات كبرى ودول عريقة أثرت وتأثرت بكل ما يدور حولها، ولذلك عمدت بعض التنظيمات الإرهابية وفى مقدمتها (داعش) على تجريد الدول ذات الميراث الحضارى من آثارها التاريخية وأصولها الفكرية، ولا زلنا نتذكر كيف انتزع أتاتورك الجمهورية التركية من دائرة الخلافة الإسلامية وتوابعها فى المنطقة العربية بل وفى البلقان أيضًا والامتدادات القائمة للمسار الذى سلكته الدول الحالية، وسوف نكتشف أن كل تصرف لقوة إقليمية هو انعكاس لعوامل شد وجذب بين أطراف متصارعة حتى ولو وقف الجميع فى معسكر واحد أمام الأغيار، وقد تمثل دول الجوار أحيانًا قنابل موقوتة أمام الطرف الأصيل فى ذلك الصراع، ذلك أن علاقات الجوار ذات طابع أبدى فلن ترحل دولة من مكانها طواعية، وقد قال القدماء (احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة، فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة).
ثالثًا: الملاحظ خلال السنوات الأخيرة أن الغرب يحاول اجتياح المنطقة الغنية بثرواتها المتميزة بتراثها وحضارتها، لذلك عمدت التيارات الغربية المختلفة إلى طمس هوية دول المنطقة والتآمر على استقرارها واستنزاف مقدراتها وتوريطها فى حروب بالوكالة لتحقيق أهداف كبرى وغايات معينة لقوى الشمال على حساب الجنوب وأصبحت الدول العربية ودول الجوار مسرحًا للعديد من المؤامرات الخبيثة والاستخدامات العبثية بانتهاك حقوقها وحرمانها مما تملك بكل الوسائل الممكنة برًا وبحرًا وجوًا، بل امتدت النيران من شواطئ المتوسط إلى شواطئ البحر الأحمر وظهرت الفتن فى شرق إفريقيا وجرى العبث بمياه النيل من جانب نظام يعادى العروبة فى الشمال وبنى سدًا كيديًا على حساب الحصة التاريخية للمياه المقررة عبر الزمن لمصر والسودان وأصبح ما يسمى بسد النهضة وكأنه محاولة مكشوفة لخنق مصر بالدرجة الأولى، ومن المؤسف أن ذلك قد تم بدعم من بعض الأشقاء والأصدقاء!
رابعًا: لا ينكر أحد أن التنظيم الدولى يمر اليوم بمحنة كبرى وأن الشرعية الدولية تترنح فى كثير من المواقع حولنا بينما حشود الميليشيات ترتع فى كل مكان وتستهدف الدول ذات التاريخ والكيانات الحضارية ذات الطابع السياسى والثقافى والروحى، وذلك يستلزم بالضرورة أن نكون على وعى كامل بما يدور حولنا وما يحاك ضدنا، فلقد أثبتت الأيام أن العروبة وحدها هى الحصن المنيع الذى يحمى دولها العربية وكياناتها السياسية والذين يظنون غير ذلك واهمون، فالتضامن العربى والوعى القومى هما الصخرة التى تتحطم عليها كل أساليب التآمر وجميع تحركات الإرهاب التى أصبحت واحدة من سمات العصر ومظاهره الصارخة.
خامسًا: يبدو أنه ليس أمامنا فى هذه الظروف المعقدة التى يجرى فيها تطويق الدول العربية الفاعلة سواء فى الخليج أو المشرق العربى والجزيرة العربية إلا أن نسعى جادين للخروج من تلك الأوضاع المتردية ومحاولة انتهاك سيادة الدول والعبث بحدودها واستخدام المضايق والممرات المائية بدءًا من هرمز ومرورًا بباب المندب ثم وصولاً إلى قناة السويس إذ يجب أن تكون فى مجملها تحت سيطرة أصحابها لأنه يبدو أن العصر القادم لن يكون عصر مخاطر الذكاء الاصطناعى فقط ولكنه قد يكون أيضًا عصر الصراع على الممرات المائية وهو صراع بدت بوادرة واضحة أمام الحكومات والشعوب.
نقلا عن إندبندنت عربية