نازا.. يفضح إسرائيل أم يجمِّل صورتها؟

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 5:55 م بتوقيت القاهرة

هل علينا كعرب وفلسطينيين أن نحتفى بالفيلم الوثائقى الإسرائيلى «نازا» أم نتحفظ ونتجاهله أم ندينه، هل الفيلم يفضح إسرائيل، أم يجمِّل صورتها، وإذا كان الأوروبيون قد صفقوا للفيلم ٢٥ دقيقة كاملة، فلماذا يموِّلون آلة القتل الإسرائيلية بالمال والسلاح، وهى التى ترتكب الإبادة الجماعية التى يدينها الفيلم؟!!


الأسئلة السابقة ترددت كثيرًا فى وسائل الإعلام العربية بصور مختلفة منذ أن فاز الفيلم الإسرائيلى الوثائقى «نازا» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة فى الدورة رقم ٨٣ من مهرجان البندقية السينمائى الدولى «فينيسيا» يوم السبت قبل الماضى ١٢ سبتمبر.


حينما تم إعلان فوز الفيلم وقف الحاضرون وصفقوا لمدة ٢٥ دقيقة متواصلة، وهو رقم قياسى لم يحدث لأى فيلم روائى أو وثائقى من قبل.


ولمن لا يعرف الموضوع فإن هذا الفيلم الذى أخرجه الإسرائيليان المعروفان يوفال إبراهام ووراشيل تسور ومولته صحيفة الجارديان البريطانية يعتمد على شهادات ٢٤ من قادة وجنود أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، ولم تظهر وجوههم علنًا حتى لا يتعرضوا للملاحقة القضائية التى بدأت بالفعل، لكنهم قدموا شهادات دامغة تكشف عن أساليب استهداف المدنيين الفلسطينيين فى قطاع غزة خلال العدوان.


تعبير «نازا» يعنى فى العسكرية الإسرائيلية عدد الفلسطينيين المدنيين الذين قد يُقتلون خلال استهداف مسلحين أو قادة تابعين للمقاومة الفلسطينية وبالتالى فالترجمة الأقرب للمصطلح هى الأعراض الجانبية.


«نازا» يكشف كيف طبَّقت إسرائيل أنظمة الذكاء الاصطناعى والخوارزميات لاستهداف الفلسطينيين خلال عدوانها على القطاع، وبالتالى فأحد الأسئلة المهمة التى يطرحها الفيلم هى: هل أصبح قتل المدنيين الفلسطينيين فى غزة جزءًا محسوبًا من عملية اتخاذ القرار العسكرى الإسرائيلى، أو ماذا يحدث حينما تصبح حياة المدنيين ليست مجرد أعراض جانبية بل رقم داخل المعادلة العسكرية؟.


الفيلم يفضح بوضوح توسع إسرائيل فى تطبيق خوارزميات الذكاء الاصطناعى مما أدى إلى سقوط نحو 74 ألف شهيد و175 ألف مصاب معظمهم من المدنيين.


هذه الخوارزميات تُدخل بيانات كل السكان، وحينما يتم التعرف على الهدف يتم اغتياله حتى لو كان وسط عشرات المدنيين، وذات مرة قيل إن هذا النظام وضع 37 ألف فلسطينى فى دائرة الاستهداف.


ومن بين أسئلة الفيلم المهمة أيضًا: ماذا يحدث عندما تصبح التكنولوجيا الحديثة قادرة على تحويل الحرب إلى عملية حسابية ضخمة بغض النظر عن عدد الضحايا وهل هم أبرياء أم مذنبون؟


إذن المشكلة ليست مجرد هل أطلق الجندى الإسرائيلى النار عمدًا على مدنى، بل النظام الكامل الذى يحدد آلاف الأهداف بسرعة قياسية ويقدر خلالها عدد الضحايا المدنيين المحتملين ثم يتخذ قرار القتل على نطاق واسع.


وبالتالى فأهمية هذا الفيلم ذى الثمانين دقيقة ليست فقط فى كشف الفاشية الإسرائيلية/ ولكن فى مستقبل الحروب التى يديرها الذكاء الاصطناعى.


بالطبع المخرجان ليسا محايدين، فهما ضد العدوان الإسرائيلى وسبق لهما تقديم العديد من الأعمال الفنية التى تدين الاحتلال،لكن خطورة هذا الفيلم أنه لا يطرح مجرد رواية خيالية بل يعرض وقائع موثقة وربما لهذا السبب كان رد الفعل الإسرائيلى الرسمى واسع النطاق؛ حيث وصفه وزير الثقافة الإسرائيلى ميكى زوهار طاقم الفيلم بالخيانة، كما شن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو هجومًا حادًا على الفيلم. وقال إن صناعه ورغم كونهم يهودًا فهم الأكثر إساءة لليهود ويقدمون مادة خصبة لمعاداة السامية. ولكى نعرف خطورة وأهمية هذا الفيلم فإن نتنياهو تعهَّد بسن قانون يسحب الجنسية من مخرجيه وكل من يفكر فى النهج نفسه، إضافة بالطبع لمنع عرض الفيلم فى إسرائيل.


البعض يقول إن أحد أهداف الفيلم هو التطهر وإظهار أن هناك حرية رأى فى إسرائيل، وهذا أمر ثبت عدم صحته، بالنظر إلى رد الفعل الهجومى من إسرائيل الرسمية ضد الفيلم، وبالتالى فالفيلم من وجهة نظرى لا يجمِّل صورتها بالمرة.


والبعض الآخر يقول إن تصفيق الأوروبيين القياسى لمدة ٢٥ دقيقة هو محاولة للتطهر وإظهار أنهم قد أدوا واجبهم.


وهنا ملاحظة مهمة، وأغلب الظن أن الذين صفقوا فهذا موقفهم الإنسانى النبيل، لكن الحكومات الأوروبية هى التى تتخذ القرارات المنحازة لإسرائيل خصوصًا فى إيطاليا وألمانيا، وبالتالى لا يوجد تناقض هنا.


والسؤال الأخير: ماذا عنَّا نحن العرب هل أنتجنا فيلمًا مماثلًا لفضح آلة القتل الوحشية الإسرائيلية أم نكتفى فقط بالكلام، وحتى هذا الكلام لا نتمكن من قوله أحيانًا؟!!!.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved