هل صحيح أن الإحساس نعمة؟

أسامة غريب
أسامة غريب

آخر تحديث: الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة

فى صباح شتوى قاهرى كنت أجلس على الرصيف بأحد المقاهى أتدفأ بكوب الشاى عندما مرت من أمامى سيارة نصف نقل مكتوب عليها من الخلف: يا ناس يا شر كفاية قر. ابتسمت وأنا أرتشف الشاى متعجبًا من خوف الناس عندنا من الحسد إلى درجة الفوبيا. بعد ذلك عبرت سيارة ميكروباص مكتوب عليها: صاحبى وصاحبك القرش. اتسعت ابتسامتى لهذا الاعتراف الذى كتبه صاحب السيارة بعد أن استغنى عن الأصدقاء واكتفى بمصاحبة الفلوس!. من المألوف بالنسبة لسيارات نقل الأمتعة وعربات نقل الركاب فى مصر أن يكتب صاحب المركبة عليها من الخلف مقولات يحبها ويراها مصدرًا للحكمة والطرافة.. والحقيقة أن بعضها ينطبق عليه هذا فعلًا وبعضها الآخر سخيف ويعبر عن ذوق متدنٍ. أخذت أركز فى اللافتات التى رأيتها كثيرًا من قبل لكن لم أفكر فيها بجدية، وتذكرت كتابات للدكتور سيد عويس عالم الاجتماع قد فسرت الكثير مما تدل عليه عبارات كهذه. انتبهت بعد ذلك لعبارة أخرى مكتوبة هذه المرة على سيارة تاكسى، وكانت تقول: الإحساس نعمة. استوقفتنى هذه العبارة أكثر من غيرها، واستجابة للحالة التأمّلية التى كنت أمر بها مع كوب الشاى وجدتنى أفكر متسائلًا: هل صحيح الإحساس نعمة أم إنه على العكس قد يكون لعنة على صاحبه عندما يؤرقه ويفسد عليه حياته، وقد تتصاعد درجة الإحساس فترفع ضغط الدم عند الشخص الحسيس وتقضى عليه؟.


طاف بخيالى عدد من أصحاب الإحساس الذين قضوا نتيجة مواقف يمر أمثالها على غيرهم كل يوم دون أن تترك فيهم أى أثر. تذكرت الأديب محمد عبد الحليم عبد الله الملقب بشاعر الرواية وأمير الرومانسية فى الأدب العربى، صاحب روايات: بعد الغروب وشمس الخريف وشجرة اللبلاب وغرام حائر وألوان من السعادة، وله كذلك روايات تحولت لأفلام مثل الليلة الموعودة وغصن الزيتون، وبعضها تحول لمسلسلات تليفزيونية مثل لقيطة وللزمن بقية والجنة العذراء وغيرها. هذا الرجل كان مُحبًا لأهله، مرتبطًا بقريته فى محافظة البحيرة وهناك بنى للعائلة بيتًا اعتاد أن يذهب إليه كثيرًا. فى آخر زيارة له هناك وأثناء رحلة العودة إلى القاهرة بالأوتوبيس تعرض لموقف مؤلم لم يخطر له على بال، إذ إن السائق الذى كان جلفًا غليظًا وجّه للأديب الكبير إهانات فظيعة إثر خلاف عادى لم يكن يستحق كل السفالة التى تفوه بها فى وجه الرجل المهذب النبيل. لم يصدق عبد الحليم عبد الله نفسه ولم تحتمل رأسه كل هذه القسوة اللفظية من جهول غليظ لم يعرف إلى مَن كان يتحدث، فانفجرت شرايين دماغه وفاضت روحه إلى ربه فى مستشفى دمنهور فى منتصف عام 1970 وعمره 57 سنة.


تذكرت أيضًا الصحفى الأستاذ على حمدى الجمّال الذى عمل بالصحافة منذ أواخر الأربعينيات وتقلد مناصب قيادية بأخبار اليوم، ومن بعدها الأهرام التى أصبح رئيسًا لتحريرها عام 75. كانت ظروف رئاسته للتحرير سيئة، إذ إنها أتت فى فترة عصيبة كان فيها السادات قد قام بزيارته للقدس وأبرم صلحًا مع الإسرائيليين فوقفت ضده كل الدول العربية وشنت عليه الصحافة حملة تخوين خطيرة، وشارك الكثير من الكتاب والصحفيين المصريين فى الهجوم عليه وانتقاده.. كل هذا جعل الرئيس المصرى فى حالة غضب دائم وكانت أعصابه تنفلت فى كثير من الأحيان فتصيب حتى المقربين إليه، وقد تحمّل كل من دنا منه فى تلك الفترة جانبًا من آثار نوباته الانفعالية.. وكان من حظ رئيس تحرير الأهرام الأستاذ على الجمّال أنه تعرض لغضبة ساداتية عارمة قام فيها الرئيس بإهانته فى وجود جمع من رؤساء التحرير والإعلاميين، وقد بلغت الإهانة درجة لم يستطع معها قلب الرجل أن يحتمل، وما أصعب الإهانة حينما نعجز عن ردها. مات على حمدى الجمال فى نفس الليلة فى 9 نوفمبر عام 79. ورغم أن الأعمار بيد الله وحده فإننى أحيانًا أتساءل ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن الرجل لم يكتم انفعالاته ويتركها تسممه فقام برد الإهانة وقارع السادات الكلمة بالكلمة؟


مؤكدًا أن النتيجة لم تكن لتأتى طيبة، لكنها ومهما بلغ مداها فلن ترقى إلى الموت!.


نبيل آخر طاف بخيالى هو الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور أحد وجهاء المدرسة الشعرية الجديدة الذى انفجرت شاعريته مع مطلع الخمسينيات فأخرج دواوين الناس فى بلادى وأقول لكم وتأملات فى زمن جريح وأحلام الفارس القديم وشجر الليل والإبحار فى الذاكرة كما كتب مسرحيات أحدثت دويًا عند عرضها منها: الأميرة تنتظر ومأساة الحلاج وبعد أن يموت الملك ومسافر ليل وليلى والمجنون. أنار صلاح عبد الصبور الحياة الثقافية لما يزيد على ربع قرن، لكن مأساته الخاصة تكمن فى الزمن الردىء الذى عاشه عندما تقلد منصب رئيس هيئة الكتاب فى أيام ملتبسة كان التطبيع فيها قد بدأ مع إسرائيل.. وقتها كان المثقفون يأملون من عبد الصبور ألا يقبل بالوجود الإسرائيلى فى معرض الكتاب. فى ظنى أن شاعرنا الكبير مات فى اليوم الذى قام الأمن فيه بالتعدى على الشباب داخل مكتب عبد الصبور بمعرض الكتاب على خلفية تظاهرهم ضد الوجود الإسرائيلى فى المعرض، وقد شوهدت دماءهم متناثرة على أوراقه. لقد ماتت داخله كل الأزهار التى لم يستطع سقايتها عندما وجد نفسه يعطى ظهره لما يحدث فى مكتبه ثم ينصرف.. لا هو وافق ولا هو اعترض. بعدها لم يكن ينقصه ليموت سوى أن يحضر سهرة ببيت بعض أصدقائه، وهناك يقول له صديقه الفنان بهجت عثمان: إنت بعت بمليم يا صلاح!.. ولعله كان ينتظر كلمات كهذه حتى يعطى نفسه ذريعة أن يموت.


الإحساس قتل الكثير من النبلاء.. فكيف يكون نعمة؟

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved