الرواية العربية وصناعة المستقبل
العالم يفكر
آخر تحديث:
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 8:05 م
بتوقيت القاهرة
إن استعراضًا سريعًا للنتاج الأدبى العربى فى القرن العشرين يكفى لنستنتج الحضور الخجول للسرديات المستقبلية. ولعل أهمها فى منتصف الخمسينيات مسرحية «رحلة إلى الغد» - 1957 لتوفيق الحكيم (صدرت عن دار مصر وأعيد إصدارها عن دار الشروق فى إطار مبادرة حفظ التراث)، وهى تعتبر بحق نصًا مؤسسًا فى الأدب العربى المستقبلى. بطلا المسرحية مهندس وطبيب يرسلان فى صاروخ إلى الفضاء كعقاب بديل عن حكم إعدام صادر بحقهما. بعد ثلاث مائة وتسع سنوات، كأنها يوم وليلة، يعودان إلى كوكب الأرض حيث كل شىء قد تغير نتيجة تطور كبير فى الطب والعلوم والتقنيات: أعمار الناس صارت تصل إلى ثلاثمائة عام، وكبسة زر واحدة على جهاز آلى باتت تكفى للحصول على الكتب والصحف وقراءتها، ولا أمراض ولا حروب؛ إلا أن البشر يصبحون أشبه بالآلات، فيفتقدون أهم ما يميز الكائن البشرى، وهو الحرية والقدرة على الحب. يمكن القول إن خيال الكاتب الذى استلهم التراث القرآنى، وتحديدًا سورة «الكهف»، نجح فى تقديم رؤيا عربية للمستقبل ذات بعد عالمى، وإن هذه الرؤيا تكاد تتحقق اليوم - أو هى تحققت، فى جانب كبير منها، على أرض الواقع.
• • •
ومن الروايات التى تنطوى على بعد استشرافى، رواية «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، الصادرة فى عام 1966. فقد توقع صاحبها هزيمة العام 1967 نتيجة لحالة انعدام الواقعية السياسية وغياب الوعى لدى السلطة الحاكمة من جهة، ولامتناع النخب الثقافية عن تحمل مسئولياتها من جهة أخرى. وقد عبر محفوظ عن ذلك من خلال بعد رمزى أضفاه على الحبكة؛ فأبطال الرواية، وهم مجموعة من الأصدقاء الذين يتشاركون السخط نفسه على ما آلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية فى البلاد، يذهبون فى رحلة على متن باخرة تجوب النيل فى محاولة للهروب من الواقع مستسلمين لنشوة السكر وتعاطى المخدرات. حتى إذا ما أفاقوا من سكرتهم اكتشفوا أن الباخرة قطعت شوطا كبيرا داخل الماء وأن طريق العودة أضحى غير مضمون.
من جهته، تنبأ الكاتب السودانى الطيب صالح منذ منتصف ستينيات القرن الماضى فى روايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال" (1966) بظاهرة أصبحت مثار قلق اليوم، بل مأساة حقيقية أبطالها المئات من المهاجرين الأفارقة الذين تقلهم قوارب الموت وتقفل فى وجههم حدود الدول الأوروبية الخائفة على استقرارها. فكان هذا الروائى سباقا فى تناول موضوع الهجرة الذى أصبح من الموضوعات الأساسية التى عالجها فى العقود الأخيرة روائيون ملفتون أمثال إلياس خورى، وربيع جابر وإبراهيم اليوسف والحبيب السالمى الذين استشرفوا واقع الإنسان العربى فى المنافى، كما انعكاسات التهجير والنزوح على البنية الاجتماعية فى مدن المستقبل التى ستكون مدنًا هجينة بالضرورة.
وقد استطاع الطاهر وطار سنة 1992 فى روايته «الشمعة والدهاليز»، أن يتنبأ بالحرب الأهلية فى الجزائر التى ستستمر على مدى عشر سنوات سقط خلالها آلاف القتلى والجرحى نتيجة الإرهاب المسلح الذى استهدف فى الدرجة الأولى النخبة المثقفة. بطل الرواية، مناضل عروبى مناهض لحركة الفرنسة فى الجزائر يجد نفسه فجأة فى مواجهة مجموعة من التهم المتناقضة بالعمالة والخيانة والأصولية والعلمانية، إذ يشده إلى جهته كل من الفرقاء المتصارعين، فيسقط فى النهاية تحت الرصاص الذى يطلقه عليه فى اللحظة نفسها جميع خصومه، ليجسد بذلك محنة الشعب الجزائرى، عموما، ومحنة المثقف العلمانى، من جهة أخرى، كضحية لصراع سياسى اعتبر من أكثر الصراعات دموية فى تاريخ الجزائر بعد الاستقلال.
• • •
من الملاحظ أن كل السرديات المستقبلية تنتمى إلى الديستوبيا، وتكشف عن وعى حزين، وهى لا تختلف لهذه الناحية عن الروايات الاستباقية التى ظهرت فى الغرب غداة الحرب العالمية الثانية، وأهمها رواية جورج أورويل 1984 (1949)، ورواية ألدوس هاكسلى الذائعة الصيت «عالم جديد شجاع» (1932)، حيث استشرف اختراع الروبوت وتنبأ بإمكانية الاستعاضة عن أرحام الأمهات بأوعية خاصة توضع فيها الأجنة! وفى الفترة المعاصرة استشرف برنار فيربير فى ثلاثيته «النمل» (1991)، وميشال ويلبيك فى «احتمالية جزيرة» (2005) الانعكاسات السلبية للثورة العلمية والتكنولوجية الحديثة على مستقبل المصير الإنسانى وعلى المجتمعات البشرية وعلى العلاقات بين الجنسين.
الملاحظ أن الديستوبيا هى السمة الغالبة للسرديات المستقبلية المعاصرة فى الأدب الغربى. فقد دخل الوعى الغربى مرحلة "ما بعد الحداثة"، وهو ما يتجلى فى توجه واضح لدى كتاب وفلاسفة كبار من أمثال ليوتار وفوكو ودريدا ودولوز نحو إعادة النظر فى منجزات عصر التنوير معتبرين أن العقل التنويرى قد أدى إلى السيطرة والهيمنة واستباح كل شيء، بما فيه الإنسان الذى سخر كأداة للإنتاج والاستهلاك فى عالم تحول إلى سوق كبرى يحكمها هاجس الربحية.
وإذا كانت الرواية العربية الاستشرافية تنحو أيضًا فى اتجاه التشاؤم، إلا أنها تختلف عن السرديات المستقبلية الغربية من حيث البيئة الفكرية والاجتماعية التى أنتجتها. ذلك أن الوعى العربى قد فاجأته الثورة التكنولوجية المعاصرة، وهو لم يدخل بعد فعليا مناخ الحداثة، بل لا يزال محاصرًا بأسئلة القرن التاسع عشر، وعلى الأخص بقضية العلاقة بالتراث وبمسألة الهوية، ما أجهض محاولات التجديد منذ ما يعرف بعصر النهضة، حيث فشل التنويريون العلمانيون، وانكفأوا أمام التيار الإصلاحى التوفيقى؛ وهذا الوضع لا يزال قائمًا إلى يومنا هذا، بل هو ازداد سوءًا مع ظهور الأصوليات وتفاقمها.
السرديات الأدبية المستقبلية وتعميق الوعى بالواقع العربى
إن المشكلات الراهنة التى تواجه المنطقة، من حروب وتحولات سياسية وأزمات اقتصادية وبيئية وتفاقم للعنف وبروز للعصبيات الدينية والإثنية، فضلا عن ظاهرة الخوف من الآخر.. كل ذلك ينيط بالأدب مسئولية إنتاج رؤى مستقبلية ترتكز على تمثلات مغايرة تمنحه دورًا أساسيًا فى إيقاظ الوعى النقدى وصولًا إلى الخروج من مآزق القرن الحادى والعشرين.
أى مستقبل نتطلع إليه فى عالمنا العربى؟ وكيف يمكن إنتاج سرديات للمستقبل تساعد القارئ العربى على بناء مستقبل أفضل؟
بديهى القول إن الإنسان العربى، كغيره من البشر، يطمح إلى العيش فى مجتمعات آمنة ومستقرة ومتماسكة، وإذا كان التنوع سمة المجتمعات العربية منذ نشأتها، كونها تضم مجموعات دينية وإثنية ولغوية مختلفة، وفيها بدو وحضر، فإن تماسك هذه المجتمعات يمر عبر الاعتراف بهذا التنوع الذى غالبا ما تم تجاهله أو التغاضى عنه عند بناء الدولة الحديثة لاعتبارات سياسية وإيديولوجية. ولا يتنافى هذا الاعتراف مع مبدأ العروبة الجامعة، بل يتكامل معه، متى أحسنت إدارة التنوع ضمن الوحدة. فتحترم خصوصية الجماعات التى تعبر عن نفسها بحرية وتتفاعل مع غيرها ضمن الانتماء الواحد إلى أرض ووطن. ويمكن للأدب أن يسهم فى بلورة هذا التوجه عبر تسليط الضوء على واقع التنوع بوجوهه المختلفة، ومن خلال مقاربة جديدة لمفهوم الهوية ترتكز على الخروج من الأحادية إلى الهوية المركبة المتحولة المتفاعلة مع متغيرات الواقع.
أما فى مسألة العلاقة بالتراث، فلا بد من تحرير العقل العربى من ثنائية التراث/الحداثة، الماضى/ المستقبل، التى أقامته فى أسرها لعقود طويلة وحالت دون دخوله الفعلى فى مناخ الحداثة. ولعل مفهوم الانزياح الذى يعرفه الفيلسوف والمفكر الفرنسى فرانسوا جوليان (فى كتابه الهوية الثقافية لا وجود لها، ترجمة بسام بركة، المنظمة العربية للترجمة، 2024) بأنه «مغامرة» و«استكشاف» و«تنقيب» عن إمكانية افتتاح مسارات جديدة، يشكل وسيلة معرفية لمقاربة جديدة للتاريخ والتراث، فهو برأيه «يتيح التفكير فى الأصل من حيث هو أصل، أى مقاربته هو نفسه بطريقة ليست ثابتة، بل تطورية، من دون أن تسبغ عليه هالة أسطورية». إن السردية الأدبية لمستقبل عربى لا تتأسس على رؤية جوهرانية للتراث كما للثقافة وللآخر. فما يحتاجه القارئ العربى اليوم هو نصوص أدبية توقظ لديه الحس النقدى الذى يحرره من الأحاديات ومن الماضوية فيتخلى عن الأحكام القاطعة ويدرك نسبية الحقائق ولا نهائية الاحتمالات المستقبلية؛ ذلك أن التحول والصيرورة مبدأ أساسى فى حركة التاريخ. هى نصوص تحض الفكر على البقاء فى حالة توتر دائم وخلاق، يحفظ المسافة الضرورية بين الذات والآخر، سواء تمثل هذا الآخر بالتراث أم بثقافة أخرى.
إن الأدب العربى الذى يطمح إلى صوغ رؤيا مستقبلية واعدة، هو الذى يمتلك القدرة على الانخراط فى حركة إنسانوية جديدة، «إنسانوية الثقافة الثالثة»، وفق تعبير الشاعرة والباحثة التونسية أم الزين بن شيخة المسكينى فى كتابها «الفن وسرديات المستقبل»، التى تراهن فيه على دور الثقافة فى بلورة مفهوم إيجابى للإنسان وعلى مواكبة التطور العلمى والتكنولوجى بفكر فلسفى يستنبط أخلاقيات جديدة ويحدد الأسس الجمالية والفنية الضرورية لكل إبداع أصيل.
فى المحصلة يمكن القول إن الأدب العربى المعاصر يستطيع الإسهام فى صوغ سرديات جديدة للمستقبل وفى المشاركة فى الحوار الكونى حول مستقبل البشرية من خلال رفده الثقافة العربية بتصور جديد للإنسان العربى ولدوره فى صنع التاريخ. إنه الإنسان المتحرر من سجن ماض فردوسى يحن إليه، ويحاول استعادته ليردم به هاوية حاضره المأسوى فيسقط فى الجمود والتخلف؛ إنسان يمتلك الوعى والمقومات الفكرية والأخلاقية التى تتيح له الولوج بخطى ثابتة إلى مستقبل لعله يكون واعدًا بصورة أكبر.
زهيدة درويش جبور
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/5xvhbdnj