ثلاثيات الأوضاع الراهنة

محمود محي الدين
محمود محي الدين

آخر تحديث: الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 8:15 م بتوقيت القاهرة

من أفضل إبداعات الأدب والفن ما كان من الثلاثيات، ومن أشهرها فى الأدب العربى ثلاثية نجيب محفوظ التى ضمت رواياته المبهرة عن قاهرة النصف الأول من القرن العشرين، متتبعا سيرة بطلها، السيد أحمد عبد الجواد، وعائلته، فى أجزاء: «بين القصرين»، و«قصر الشوق» و«السكرية». ومن الكلاسيكيات ذائعة الصيت ما نظمه الشاعر الفلورنسى دانتى أليغييرى فى ثلاثية «الجحيم» و«المطهر» و«الفردوس»، المعروفة بـ«الكوميديا الإلهية». ومن أجمل ما أنتجته السينما فيلم «الأب الروحى» (العرّاب) متمثلا فى دون فيتو كورليونى، بأجزائه الثلاثة للمخرج فرنسيس فورد كوبولا.
وعلى مدار الأسبوع الماضى فى بانكوك؛ حيث عُقدت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى، استوقفنى تكرار استخدام «ثلاثيات» فى وصف أوضاع الاقتصاد العالمى، وفى استعراض اقتراحات وتوصيات المسئولين الدوليين.
فعندما كان الحديث عن التحديات العالمية، جاءت على لسان كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولى فى ثلاثة: وهى الذكاء الاصطناعى، والطاقة، والديون. كما تجد التقرير السنوى للبنك الدولى عن التنمية فى العالم، فى تناوله للإسهامات الواعدة للذكاء الاصطناعى يلخص متطلباتها وشروط تحققها فى ثلاثة: وهى «التبنى» لمستحدثات الذكاء الاصطناعى، ثم «التكيف» معها بما يتوافق مع أحوال البلد المعنى، ثم تأتى القدرة على «التطوير»، بما يستلزمه ذلك كله من استثمارات ضخمة فى رأس المال البشرى والتحول الرقمى، والبنية الأساسية التكنولوجية، وحوكمة استخدامات الذكاء الاصطناعى.
وفيما يتعلق بالاختلالات العالمية بين ازدياد للفائض الصينى وارتفاع العجز الأمريكى والأوروبى، تأتى توصيات صندوق النقد الدولى فى ثلاث أيضا: وهى أنه على الولايات المتحدة أن تزيد من مدخراتها، وعلى أوروبا أن تطور استثماراتها، وعلى الصين أن ترفع استهلاكها؛ وجميعها تتطلب إجراءات اقتصادية وتغيرات هيكلية ليست يسيرة. وقد ضاق التصنيف الثلاثى عن أن يعرِّفنا بما يجب أن تقوم به سائر دول العالم الأخرى فى هذا السياق، فلم يرد لها ذِكْر.
لا بأس شكلا من استخدام ثلاثيات، أو غير ذلك من تركيبات وتقسيمات فى الخطاب العام، إذا ما كان فى ذلك تيسير لشرح المواضيع أو الإدلاء بآراء فى رسائل مركزة؛ ولكن المشكلة فى أن ينصرف بعض المتلقين إلى تصور أن ما جاء فى هذه الرسائل، مقتضبا وملخصا، لضيق الوقت أو اعتبارات المواءمة، هو القول الفصل ومنتهى الأمر.
وقد ورد تقييم من صندوق النقد الدولى للاقتصاد العالمى بأنه صامد رغم الصدمات المتوالية، بعد الجائحة والحروب والصراعات الجيواقتصادية وتبعاتها، ولكن هذا الصمود قد وصل إلى أقصاه؛ فى دلالة على أن ممكنات الصمود وموانع التراجع والتدهور توشك على النفاد.
وأرى أن تقارير المؤسسات المالية الدولية تستخدم المؤشرات الاقتصادية الكلية بعدسة ضيقة، لا ترى من خلالها إلا تماسك معدلات النمو، وتراجعا نسبيا فى معدلات التضخم للتدليل على الصمود. ولكنها إذا ما أدرجت مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد على سبيل المثال، والتى شهدت ارتفاعا للمرة الأولى منذ عام 2010، وفقا لتقرير البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة الصادر منذ أيام، لراجعت وصف الأوضاع بالصمود؛ فكيف يستقيم هذا الوصف وأكثر من 1.2 مليار إنسان يعيشون فى فقر حاد متعدد الأبعاد فى 108 من البلدان التى شملها التقرير. وأن عليها أن تشرح ما تعنيه بهذا الصمود إذا ما أدركت حقا ما تعانيه دول من تبعات زيادة أعباء خدمة الديون بتخلفها عن متطلبات تحقيق التنمية المستدامة وأهدافها، وما أصاب الإنفاق على التعليم والصحة من تراجع حاد، بما ينذر بأن الفقر سيلحق به الجهل والمرض، ليكتمل الثلاثى البائس الذى أتت جهود التنمية لتحاربه بالتصدى لمسببات تخلف الأمم.
ورغم خطورة أوضاع الفقر وتداعياته، فإنه لم يحظَ بالاهتمام الواجب فى الاجتماعات السنوية للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى بمعيار حلقات النقاش والسمينارات؛ إذ رصد الاقتصادى فيليب شيليكينس أن الفقر لم يُذكر إلا مرة فى فاعلية واحدة من 174 فاعلية ضمتها هذه الاجتماعات.
والاحتفاء بالصمود وحده لا يكفى، كما أكد الاقتصادى محمد العريان، فى محاضرة نظمها بنك «المشرق» فى بانكوك عن النظام العالمى الجديد. فتَلقِّى صدمة وتحمُّلها ضروريان لوصف «الصمود»، ولكن يجب أن يتحلى الاقتصاد «بالقدرة» على التحرك السريع، مع تنوع البدائل المتاحة، فى تصميم لنهج ثلاثى الأركان من «الصمود» و«الرشاقة» و«الاختيارية» للتعامل مع التطورات الاقتصادية المتلاحقة؛ خصوصا فى ظروف اللايقين.
ومن أطرف ثلاثيات الاجتماعات السنوية ما جاء لاعتبارات المواءمة فيما تعلَّق بعدم ذِكر لفظ «الذكاء الاصطناعى» فى مخرجات رسمية للاجتماعات؛ إذ اضطر المجتمعون للتوافق على استخدام مصطلح بديل عن «الذكاء الاصطناعى» المتعارف عليه منذ الخمسينيات من القرن الماضى، بعدما اعترض عليه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب. فوفقا لوجهة نظره التى أفصح عنها فى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر (أيلول) الماضى، أن كلمة «اصطناعى» يمكن أن تفسر على أن هذا الذكاء زائف. وأصدر ترامب أمرا تنفيذيا يلزم الجهات الرسمية فى بلاده باستخدام مصطلح «الذكاء الفائق» من دون غيره، وبات على مرءوسيه الالتزام بهذا المصطلح الثانى؛ فلم يعد بإمكانهم الموافقة على بيان أو نص يُذكر فيه «الذكاء الاصطناعى»؛ حيث صنَّف الرئيس ترامب مَن يستخدمه بالأعداء. ولما كان مصطلح «الذكاء الفائق» ليس محل اتفاق دولى، فكان المَخرج - إلى حين - هو استخدام مصطلح ثالث، وهو «تكنولوجيا الذكاء المتقدم»، فى محاولة لوصف أحد المربكات الكبرى المشكلة للأوضاع الراهنة.
نقلا عن الشرق الأوسط

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved