خطة ترامب المهترئة لغزة والأذرع الإسرائيلية

أحمد فاضل يعقوب
أحمد فاضل يعقوب

آخر تحديث: الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 8:15 م بتوقيت القاهرة

مرّ الآن عام كامل على إعلان ترامب خطته لغزة فى أكتوبر 2025، والتى تبناها مجلس الأمن بقراره رقم 2803 الصادر فى 17 نوفمبر 2025. فما الذى تحقق على أرض الواقع منها؟
لقد كان من المقرر، حسب الخطة وهذا القرار، أن تُنفَّذ عدة خطوات أهمها الوقف الكامل لإطلاق النار ومن ثم انتهاء المجازر وحرب الإبادة على الفلسطينيين، والانسحاب الإسرائيلى من غزة على ثلاث مراحل، وإدخال المساعدات الإنسانية للقطاع بدون عوائق، وإعادة الإعمار، وعدم إجبار الفلسطينيين على التهجير. ولتحقيق ذلك تضمنت الخطة وقرار مجلس الأمن إنشاء بعض المؤسسات وهى:
• مجلس سلام: يكون كإدارة انتقالية ذات صفة قانونية دولية، ويقوم بوضع الإطار وتنسيق التمويل لإعادة تطوير غزة، ويتولى الإشراف على حكم غزة وإنشاء كيانات تشغيلية داخل القطاع. وحسب قرار المجلس، فإن دوره مؤقت وينتهى فى نهاية عام 2027، أى بعد عام وشهرين من الآن، كما أنه من المقرر أن تتولى السلطة الفلسطينية مهامه بعد إجرائها إصلاحات.

• قوة تحقيق استقرار دولية (I.S.F): تعمل تحت قيادة موحدة مقبولة من مجلس السلام، وبالتعاون مع مصر وإسرائيل، ومن مهامها المساعدة فى تأمين المناطق الحدودية، وحماية المدنيين، والعمل الإنسانى، وتدريب قوات الشرطة الفلسطينية، وتأمين ممرات إنسانية، ورصد تنفيذ وقف إطلاق النار، كما تتسلم الأراضى التى تنسحب منها القوات الإسرائيلية والمشروط بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية.

• إنشاء لجنة فلسطينية من تكنوقراط لإدارة القطاع: وتكون مهمتها تسلم إدارة القطاع من حماس، وتختص بالأمور الحياتية والإدارية والخدمية بإشراف مجلس السلام.

وقد سبق أن أبديت تأييدًا لهذه الخطة بالنظر للعديد من العناصر الإيجابية فيها، وهو ما تناولته فى مقال نشره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بتاريخ 24 نوفمبر 2025، بعنوان «قرار مجلس الأمن حول غزة بين الواقعية السياسية والطموح المشروع»، وحينما تعثر تنفيذها تناولنا ذلك فى مقال فى هذه الصحيفة الغراء بتاريخ 12 ديسمبر 2025 بعنوان «معضلات المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة والحلول المقترحة».
إفساد متعمد للخطة
أما الآن وبعد عام كامل، فمن الواضح أنه لم يتم تنفيذ معظم بنود هذه الخطة على أرض الواقع، باستثناء الإفراج عن كل المحتجزين لدى الفصائل وعن عدة مئات من المحتجزين لدى إسرائيل، وقد أصبحت مهترئة بفعل الأذرع الإسرائيلية المتواجدة داخل الإدارة الأمريكية الحالية، والمتمثلة فى وزيرى الخارجية والحرب، إضافة إلى الذراع الإسرائيلية الموجودة داخل بيت ترامب نفسه وبين أسرته وأب لأحفاده وهو كوشنر، وتصريحاتهم ومواقفهم وتاريخهم دليل واضح على ذلك.
فضلًا عن المنظمات اليهودية ذات التأثير الضخم تاريخيًا على أعضاء الكونجرس وفى الإعلام، وأهمهم منظمة «أيباك» والكنائس المسيحية الصهيونية، وقد سيطروا جميعًا على أذن ترامب وعقله وقلبه، وأفسدوا تنفيذ هذه الخطة لصالح إسرائيل، كما سبق أن أفسدوا مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران فى 17 يونيو 2026، وهو ما تناولناه فى مقال بهذه الصحيفة بعنوان «لماذا انهار الاتفاق الأمريكى الإيراني» بتاريخ 25 يونيو 2026.
ويمكن أن نشير للحقائق التالية على أرض الواقع، وهى جميعها عكس ما ورد فى خطة ترامب وقرار مجلس الأمن، وبما يتماشى مع الأهداف والسياسات الإسرائيلية المعلنة:
التوسع وليس الانسحاب
أولًا: كانت إسرائيل تحتل نحو 53% من قطاع غزة عند إعلان خطة ترامب، وبدلًا من أن تنسحب حسب الخطة، فإذا بها تتمدد أكثر وتحتل نحو 70% من القطاع حاليًا، وتدفع معظم الفلسطينيين للاكتظاظ فى شريط أكثر ضيقًا فى نحو 30% فقط من القطاع. كما تقوم بتنفيذ أسلوب الأرض المحروقة فى كافة هذه الأراضى التى تحتلها بتدمير كل ما على الأرض من مبانٍ ومستشفيات ومدارس وبنية أساسية، ويتحدث بعض مسؤوليها عن البقاء الدائم فى هذه الأراضى وضمها لدولتهم، بل ويتحدثون علنًا كذلك عن عودة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين بكل الوسائل، ومنها جعل الحياة غير قابلة للتحمل، أو تشجيع دول أخرى على قبول بعضهم.
استمرار القتل وشح المساعدات
ثانيًا: لم تتوقف إسرائيل عن آلة القتل شبه اليومية، وتحمل الأخبار دائمًا ما تدعيه الدولة العبرية من استهدافها لعناصر تدعى أنهم من حماس، مع أن معظم الضحايا مدنيون، وبلغ عدد القتلى منذ إعلان خطة ترامب حتى الآن نحو 1460 فلسطينيًا بينهم نحو 300 من الأطفال، عدا آلاف الجرحى من النساء والشيوخ. كما لا تزال تضع إسرائيل قيودًا على إدخال المساعدات الإنسانية الشحيحة حتى الأدوية والمستلزمات الطبية، كما لم يبدأ أى إعمار، ولا حتى خطوات جادة لاستعادة الخدمات.
لجنة فلسطينية معطلة
ثالثًا: بالرغم من الإعلان رسميًا عن تشكيل اللجنة الفلسطينية من التكنوقراط لإدارة غزة بتاريخ 14 يناير 2026، وإعلان حماس استعدادها لتسليمها إدارة القطاع، إلا أن إسرائيل لم تسمح لها بدخول القطاع إلى الآن.
مجلس سلام هو ترامب وترامب هو المجلس
رابعًا: فاجأ ترامب العالم فى 16 يناير 2026 بأن وجه رسالة للعديد من قادة الدول يدعوهم فيها للانضمام لـ «مجلس سلام»، ولم يذكر فيه كلمة واحدة عن غزة!! ولا عن قرار مجلس الأمن الذى خوله إنشاء هذا المجلس!!، وأرفق برسالته ما أسماه ميثاق مجلس السلام، ونصب من نفسه رئيسًا له مدى الحياة، مع أن قرار مجلس الأمن يعطيه شرعية لعامين فقط!! وأعطى لنفسه سلطات مطلقة، فله حق الفيتو وحق ضم وإزاحة أى عضو أو مؤسسة ينشئها، ووضع أهدافًا عامة لحل كافة الصراعات فى العالم كله، حتى إن البعض تشكك فى أنه يهدف لإنشاء منظمة أخرى دولية برئاسته موازية أو بديلة للأمم المتحدة!!
وجعله يجتمع كل عام بدلًا من الاجتماع بصفة دورية لمباشرة تنفيذ أهداف خطته، ثم أعلن فى 22 يناير 2026 فى دافوس تصديقه على هذا المجلس وأنه يضم نحو 28 دولة، مع أنه بهذا الشكل قد أصبح ترامب هو المجلس والمجلس هو ترامب، ولذلك نأت كثير من الدول المهمة -خاصة فى أوروبا- عن الانضمام له.
ويبدو أن الصين وروسيا كانتا على حق حينما طالبتا فى مجلس الأمن بمزيد من الإيضاحات حول مجلس السلام هذا واختصاصاته ومرجعيته وآلية عمله. وقد كان من المفترض عقب صدور قرار مجلس الأمن، أن يحدث تفاوض من الدول العربية والإسلامية الثمانى الضامنة التى أقنعت ترامب بالتدخل لوقف الإبادة فى غزة، على مرجعية المجلس وتشكيله وآلية عمله واتخاذ القرارات، وبأن يضم هذه الدول بالإضافة للولايات المتحدة، والدول الكبرى كالصين وروسيا، وممثلين عن الاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة والجامعة العربية، ولكن ترامب تجاوز ذلك كله بفعل الأذرع الإسرائيلية وعدم رغبته فى فرض التنفيذ والسلام على الدولة العبرية، والتماهى معها والذى يرقى للتآمر.
أين القوات الدولية؟
خامسًا: سبق أن أعلنت العديد من الدول رغبتها فى أن تشارك بقوات لغزة (ISF)، ومنها تركيا وإندونيسيا وباكستان، ولكن نظرًا لرفض حكومة الدولة العبرية مشاركة هذه الدول، وسماح ترامب بأن يكون لها ما تريد، فضلًا عن طلب هذه الدول وضوح المرجعية والاختصاصات وألا تتضمن نزع سلاح الفصائل بالقوة، فلم تُنشأ هذه القوات إلى الآن. رغم ما تردد فى الصحافة الإسرائيلية من أنه يمكن أن توافق تل أبيب على مشاركة دول مثل ألبانيا وأوغندا وأن تحدد هى عددها وسلاحها وأماكن تواجدها ومهامها بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية!! وتحمل الأنباء مؤخرًا أن شركة خاصة أمريكية ستُشكل بهدف نزع سلاح الفصائل وتدميره وغاب الحديث عن القوات الدولية!!
سادسا: كان من المفترض كذلك، حسب قرار مجلس الأمن 2803، أن يتشكل أولًا مجلس السلام ثم يتم إنشاء المؤسسات واللجان الفرعية تحت إشرافه ومن خلاله، ولكن ترامب فاجأ العالم بأن أنشأ هو وأعلن عن تعيين قائد لقوات تحقيق الاستقرار الدولية فى 17 يناير 2026، قبل إنشاء وتشكيل مجلس السلام، وحتى قبل إنشاء هذه القوات من الأساس والتوافق على القيادة. كما أعلن عن تعيين ممثل سامٍ لغزة، ومجلس تنفيذي، وكذلك تعيين اثنين كمستشارين للمجلس أحدهما حاخام ومستشار للسفير الإسرائيلى فى إسرائيل، وأعطى دورًا مهمًا لكوشنر وويتكوف وبلير فى المجلس التنفيذى وهم من الأذرع الإسرائيلية المعروفة.
وفى التقدير النهائى، فإن المنطقة بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص، تعيش ضحية لأسوأ فترات التوجهات والسياسات الأمريكية السلبية تجاهها تحت إدارة ترامب الحالية، والأذرع الإسرائيلية بداخلها.
ويبقى الأمل فى أن تسفر نتيجة الانتخابات النصفية للكونجرس فى 3 نوفمبر 2026، عن فوز غالبية الأصوات الديمقراطية العاقلة التى تنادى بالحد من تأثير الأذرع الإسرائيلية داخل إدارة ترامب.
أما الانتخابات الإسرائيلية المقررة فى 27 أكتوبر 2026، فأيًا ما كانت نتائجها، وحتى لو تم تغيير نتنياهو وحل مكانه وجه آخر مثل آيزنكوت، فالتصريحات الصادرة عن كافة القيادات الإسرائيلية المرشحة والمحتمل أن تتولى منصب رئيس الوزراء وتاريخ كل منهم، لا تبشر بأى تغيير جوهرى فى السياسات الحالية تجاه غزة والفلسطينيين، بل والمنطقة بشكل عام.
وإذا استمرت الأوضاع السابقة كما هي، فسوف يكون البديل أمام الدول العربية والإسلامية الثمانى الضامنة هو العودة مرة أخرى لمجلس الأمن مع نهاية التفويض الممنوح لخطة ترامب المهترئة، ومجلسه للسلام غير المنظور ولا المتحقق.
مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved