أوروبا.. بين التبعية الاستراتيجية واضطرابات الداخل
عمرو حلمي
آخر تحديث:
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 8:10 م
بتوقيت القاهرة
تمر أوروبا بمرحلة دقيقة تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية مع تداعيات الحروب المحيطة بها، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلاً عن تحديات علاقتها بالولايات المتحدة وصعود الصين وتصاعد الصراعات في الشرق الأوسط. وتتزامن هذه الضغوط مع صعود التيارات اليمينية والاستقطاب السياسي، فيما تكتسب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027 أهمية خاصة لمستقبل الدور الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي، وتكشف التطورات السياسية في ألمانيا عن صعوبات تواجه أكبر اقتصاد أوروبي. وتضع هذه المتغيرات قدرة القارة على حماية مصالحها وتعزيز استقلالها الاستراتيجي أمام اختبار حقيقي.
ولا تكمن المعضلة الأوروبية في نقص الموارد الاقتصادية والتكنولوجية، بقدر ما ترتبط بصعوبة تحويلها إلى قوة استراتيجية مؤثرة. فعلى الرغم من امتلاك القارة قاعدة صناعية وعلمية متقدمة وثقلاً تجارياً ومالياً واسعاً، يحد تباين المصالح الوطنية واختلاف تقدير التهديدات من قدرتها على صياغة سياسة مشتركة. ويزيد صعود التيارات اليمينية تعقيد هذه المعادلة، بينما تتطلب المنافسة الدولية توافقاً سياسياً واستعداداً لتحمل تكاليف القرارات الاستراتيجية. وهكذا تتسع الفجوة بين الإمكانات الأوروبية والقدرة على توظيفها لحماية المصالح والتأثير في القرارات الدولية.
وفي الداخل، تكشف الاضطرابات وأعمال الحرق والنهب في فرنسا وإيطاليا والتي بدأت تمتد إلى دول أوروبية أخرى عن ضغوط اجتماعية وسياسية تستحق الاهتمام، خصوصاً حين يتحول الغضب إلى عنف وتخريب للممتلكات. ولا يمكن اختزال هذه الظواهر في سبب واحد؛ إذ تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وأزمات ثقة بالمؤسسات، وقد تستغلها تيارات متطرفة لتوسيع الاستقطاب وتأجيج العداء للمهاجرين. وإذا أخفقت الحكومات في معالجة أسباب الاحتقان واستعادة الثقة وتطبيق القانون بعدالة، فقد يتفاقم تداعياتها. ولا يقتصر الخطر على الأمن الداخلي، بل يشمل تماسك المجتمعات وقدرة المؤسسات على مواجهة التحديات الخارجية.
وتجسد الحرب الروسية الأوكرانية جانباً آخر من المأزق. فقد فرضت الحكومات الأوروبية عقوبات على روسيا، ولا سيما في قطاع الطاقة، من دون تأمين بدائل مستقرة ومناسبة التكلفة بالقدر الكافي، ما أضعف تنافسية صناعات أوروبية ورفع تكاليف الإنتاج. وتزامن ذلك مع استمرار الدعم المالي والعسكري والإنساني لأوكرانيا، الذي بلغ نحو 228.7 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء منذ فبراير 2022، وفقاً للمفوضية الأوروبية في أكتوبر 2026.
ويطرح هذا الالتزام تساؤلات حول التوازن بين دعم أوكرانيا واحتياجات الدفاع والبنية الأساسية والخدمات الاجتماعية داخل أوروبا. كما أن استدامة الدعم تتطلب وضوح الغاية السياسية، والإقرار بأن استمرار الحرب من دون أفق للتسوية يفاقم تكاليفها ومخاطرها. لذلك، ينبغي أن تكون الأولوية تكثيف الجهود الدبلوماسية لاستكشاف تسوية سياسية قابلة للاستمرار، تحمي المصالح الأوروبية وتحد من استنزاف موارد القارة.
ولا تنفصل هذه التحديات عن أزمة المصداقية التي تواجه السياسة الخارجية الأوروبية. فقد كشفت الحرب في غزة تفاوتاً بين دفاع عدد من الحكومات عن القانون الدولي في أوكرانيا وترددها إزاء الانتهاكات الإسرائيلية والمعاناة الإنسانية في القطاع. ورغم مطالبة أصوات أوروبية بحماية المدنيين ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات، أظهرت صعوبة الاتفاق على إجراءات مشتركة أن حسابات التحالفات قد تتقدم على اتساق المبادئ، بما يضعف قدرة أوروبا على الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد وإقناع الآخرين بشرعية خطابها.
وتضيف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بُعداً آخر، إذ أبرز اضطراب الملاحة في مضيق هرمز ومخاطر تعطل إمدادات البترول والغاز تعرض الاقتصاد الأوروبي لصدمات خارج حدوده. وتتحمل أوروبا تبعات اقتصادية مباشرة لصراع لم تكن صاحبة القرار الرئيسي في شنّه، ما يفرض الموازنة بين علاقتها الأمنية بواشنطن ومصالحها الاقتصادية ومخاطر التصعيد. ومن ثم، يصبح تنويع مصادر الطاقة وتعزيز المخزونات والبنية الأساسية وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للاضطراب جزءاً أساسياً من أمنها القومي.
ويظل الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة قيداً على استقلال القرار الأوروبي. فعلى الرغم من الدعوات إلى تعزيز «الاستقلال الاستراتيجي»، تعتمد دول القارة على القدرات الأمريكية في الاستخبارات والدفاع والردع. ولا يستلزم الاستقلال فك الارتباط بواشنطن أو إضعاف حلف الناتو، بل بناء قدرات أوروبية تتيح التحرك عند اختلاف الأولويات، عبر تنسيق المشتريات الدفاعية وتطوير الصناعات العسكرية وتجنب تبديد الموارد بين برامج وطنية متنافسة.
وبالمثل، تفرض المنافسة مع الصين تحدياً اقتصادياً وتكنولوجياً بعيد المدى، مع تنامي أهمية الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والسيارات المتقدمة. ومن دون زيادة الاستثمار في البحث والتطوير ودعم الشركات وتنويع سلاسل الإمداد، تخاطر القارة بتعميق اعتمادها على الخارج في القطاعات الحيوية. والأجدى إدارة الاعتماد المتبادل بحذر، وحماية المصالح الأوروبية من دون الانزلاق إلى فك ارتباط اقتصادي شامل ومكلف.
إن التحدي الحقيقي أمام أوروبا هو الجمع بين القوة الاقتصادية والقدرة الدفاعية والتماسك السياسي والمصداقية الأخلاقية. ويتطلب ذلك مراجعة السياسات التي تستنزف الموارد من دون أفق سياسي واضح، ومعالجة أسباب صعود التطرف، وتطبيق القانون الدولي بمعايير متسقة، واستعادة التنافسية الصناعية والتكنولوجية ومعالجه الاختلالات الهيكلية.
فالمكانة الدولية لا تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، وإنما بقدرة الدول على تحويل مواردها ومبادئها إلى سياسات مستقلة ونتائج ملموسة. ومن دون ذلك، ستظل أوروبا قوة اقتصادية كبرى تواجه صعوبة في التحول إلى قطب استراتيجي قادر على حماية مصالحه والمشاركة بفاعلية في تشكيل النظام الدولي.