أوروبا.. قراءة فى آفاق سياسية غير مستقرة (2 – 4)

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 8:10 م بتوقيت القاهرة

جسد الخطاب الذى وجهه الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» إلى الشعب الفرنسى يوم الأحد 18 أكتوبر الحالى بخصوص الاحتجاجات التى شهدتها فرنسا وطابعها العنيف خلال الفترة الماضية والذى تضمن أعمال حرق وسلب ونهب لمنشآت تجارية ولمبانٍ عامة، واعتباره لها تهديدا للجمهورية الفرنسية واستقرارها ــ جزءا مهمًا من الحالة السياسية المتأزمة التى تواجهها العديد من المجتمعات الرئيسية فى القارة الأوروبية، وليس المجتمع الفرنسى فقط، خلال الفترة الأخيرة. وقد شهدت بعض تلك الدول الأوروبية، مثل إسبانيا ثم فرنسا، احتجاجات واضطرابات، تم بشكل ضمنى إلقاء تبعة بعضها على دور لأطراف خارجية، سواء كانت أوروبية أو غير أوروبية. ولم تكن هذه الاحتجاجات منشئة بل هى كانت مجرد كاشفة عن حالة متواصلة منذ فترة تجمع ما بين الشعور بعدم الاستقرار السياسى من جهة والشعور بعدم التيقن من المستقبل السياسى من جهة أخرى، وهى حالة ترجع لاعتبارات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وأمنية، كما أنها حالة تصدق على عدد ليس بالقليل من دول القارة العجوز، خاصة الرئيسية منها.

 


فالحقائق والوقائع تؤكد لأى متابع جيد للأوضاع السياسية فى أوروبا خلال الفترة الأخيرة أن العديد من دول القارة، خاصة تلك ذات الثقل والوزن، تعانى من حالة غياب للقدرة على التوقع بالنسبة للمستقبل السياسى القريب، وهو ما يحدث بالتوازى مع حالة متقدمة من الاستقطاب الأيديولوجى والسياسى والاجتماعى والثقافى داخل تلك الدول وغيرها من الدول الأوروبية، وهى أمور تؤثر سلبا على الحالة العامة للقارة الأوروبية.
وتاريخيا، فإن الاضطرابات والاحتجاجات التى تتسم بالعنف فى أوروبا تنتج عادة عن تركيبة معقدة ومجتمعة من التوترات السياسية، والمصاعب الاقتصادية، وغياب العدالة الاجتماعية، وإشكاليات الهوية الوطنية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والجدل الذى لا ينتهى حول قضايا الهجرة والمهاجرين، والتعبير عن الغضب العام تجاه سياسات وإجراءات حكومية بعينها. كما أنه من المتغيرات التى تؤثر على سلمية أو عنف تلك الاحتجاجات هو وسائل تعامل الشرطة معها.
وإذا بدأنا بالحالة الأحدث وهى الحالة الفرنسية، فإننا نجد أن البلاد قد شهدت حالة عدم استقرار جدية وملحوظة فى شهر أكتوبر 2026. فقد بدأت حركة الاحتجاجات أساسا اعتراضا على غلاء المعيشة وسوء أحوال المدارس الحكومية وعدم وجود عدد كاف من المدرسين بها بشكل خاص، وعدم رضا عن السياسات الحكومية بشكل عام، وهو الأمر الذى تطور إلى مواجهات حادة مع الشرطة فى عدة مدن فرنسية. ثم اتسع نطاق المطالب ليشمل المطالبة بالعدالة والمساواة الاجتماعية من جهة وبالحق فى المحاسبة والمسائلة السياسية لكبار المسئولين من جهة أخرى، خاصة بعد أن أعلنت السطات الفرنسية عن اعتقال 2400 ممن اعتبرتهم مسئولين عن أعمال التخريب.
وإذا عدنا للحالة الأقدم نسبيا عن فرنسا، وهى إسبانيا، فنجد أن المظاهرات الأخيرة تمحورت حول أزمة السكن، وما يرتبط بها من ارتفاع كبير فى الإيجارات، وكذلك الاحتجاج على إجلاء العاجزين عن السداد، وطرح المشكلة الكبرى التى تواجه الشباب فى إيجاد سكن إنسانى وكريم ملائم لهم، وإدانة المتظاهرين لغياب رد فعل سياسى على المستوى المناسب لهذه الأزمة المتصاعدة من جانب الحكومة. وفى 3 أكتوبر الحالى خرج عشرات الآلاف من الإسبان فى مظاهرات عمت مدن مختلفة من البلاد، وحدثت مواجهات حادة مع الشرطة فى كل من العاصمة مدريد ومدينة فالنسيا، وفى 6 أكتوبر أدت المظاهرات فى برشلونة بسبب قضايا الإسكان إلى إضرام بعض المتظاهرين النار فى عدد من الحواجز والمتاريس، وهو الأمر الذى أدى إلى اعتقال بعض المتظاهرين.
وإذا عدنا قليلا فقط إلى الوراء نواجه بالدروس المستفادة من الانتخابات المحلية الألمانية الأخيرة التى جرت فى سبتمبر 2026، حيث نجد أنها أوضحت بجلاء ابتعاد معظم الناخبين الألمان عن الأحزاب التقليدية التى كانت تعتبر من أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط، والتى كان يطلق عليها «الأحزاب الوسطية»، واتجاه أغلبية الناخبين إما إلى أحزاب اليمين المتطرف، وفى مقدمتها حزب «البديل من أجل ألمانيا»، أو إلى أحزاب أقصى اليسار، وفى مقدمتها حزب «اليسار». وتفوق هذان الحزبان فى العديد من الولايات الألمانية على كل من الاتحاد المسيحى والحزب الاشتراكى الديمقراطى على حد سواء. وعكست هذه النتائج غضبًا من سياسات للحكومة الائتلافية الألمانية بزعامة المستشار «فريدرش ميرتس». وفى تطور ضاعف من مصاعب المستشار الألمانى، جاءت استقالة وزيرة العمل السابقة والرئيسة المشاركة للحزب الاشتراكى الديمقراطى «باربل باس» من الحكومة الائتلافية، لتكشف عن زيادة التوتر بين الاتحاد المسيحى والحزب الاشتراكى الديمقراطى من جهة وعن وجود اتجاه الحزب الاشتراكى الديمقراطى للدعوة لإعادة النظر فى استمرار الحزب فى الحكومة الائتلافية من جهة أخرى.
وقبل انتخابات ألمانيا المحلية بثلاثة أشهر تقريبا، كان قد حدث تطور أوروبى آخر هام، وإن كان خارج إطار الاتحاد الأوروبى، ولكنه جرى فى دولة مركزية بالتأكيد فى القارة، وهى المملكة المتحدة. ففى 22 يونيو 2026، أعلن رئيس الوزراء البريطانى العمالى «كير ستارمر» استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية. وجاء ذلك أيضا على خلفية مجموعة معقدة من الاعتبارات، منها تراجع الثقة الشعبية، وتعاظم الانقسامات الداخلية فى الحزب والحكومة، وضغط الخسائر الانتخابية لحزب العمال الحاكم، وغياب رؤية سياسية واضحة للحكومة تعكس أيديولوجية الحزب الحاكم، المفترض أنه يسارى، إزاء موضوعات حيوية مثل الرعاية الاجتماعية والضرائب والهجرة. وعلى نفس هذه الخلفية الأيديولوجية المفترضة للحزب الحاكم، كان تعرض حكومة «ستارمر» لانتقادات حادة بسبب خطط لتقليص الإنفاق الحكومى على ذوى الاحتياجات الخاصة، وكذلك بسبب قرارات خاصة بتقليص الموارد المخصصة لدعم التدفئة الشتوية لكبار السن.
وقبل تطورات بريطانيا المذكورة بشهرين تقريبا كان قد جرى حدث هام آخر فى دولة أوروبية أخرى لها ثقلها التاريخى فى القارة وهى المجر، وذلك فى شهر إبريل 2026، واحتفت دول كثيرة به، خاصة الدول الأوروبية. وأعنى هنا الانتخابات البرلمانية فى المجر، والتى شهدت هزيمة رئيس الحكومة السابق «فيكتور أوربان»، بعد 16 عاما قضاها على رأس السلطة فى بلاده، وحزبه «فيدس» الذى تراجعت مقاعده فى البرلمان (الجمعية الوطنية) من 135 إلى 53. وبالمقابل، انتصر «بيتر ماجيار» وحصل حزبه «تيسا» على 140 مقعدا من أصل 199 مقعدا فى البرلمان. وكان مصدر الاحتفاء الأوروبى والدولى أن «أوربان» كان معارضا لمزيد من دمج المجر فى الكيان الأوروبى الأكبر، كما أنه صاحب مواقف تتصف باليمينية الشديدة إزاء موضوعات الهجرة وغيرها، بالإضافة إلى معارضته لفرض عقوبات ضد روسيا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية. وكان منافسه «بيتر ماجيار»، بالمقابل، قد رفع شعار الاندماج فى أوروبا بشكل كامل.
إلا أن الحقيقة التى لم يدركها الكثيرون فى حينها ولكن وعاها بعض الخبراء بالشئون الأوروبية إما عقب الانتخابات مباشرة أو فى أعقابها بفترة قصيرة، تكمن فى أن الزعيمين السياسيين، الفائز والمهزوم فى المعركة الانتخابية على حد سواء، ينتميان فى نهاية المطاف إلى اليمين، والفارق أن أحدهما معاد لأوروبا الموحدة ومتعاطف مع روسيا ومتطرف فى مواقفه تجاه الأجانب والمهاجرين، بينما الآخر يتبنى مواقفا تقف على العكس من ذلك بشأن الانتماء الأوروبى. وبالتالى فنتيجة الانتخابات لم تقدم حلا نهائيا للواقع السياسى المتأزم فى المجر، ولكنها فقط ربما خففت من الشعور بحدته من جهة وربما أيضا أجلت احتدام الحالة السياسية المتأزمة إلى وقت لاحق من جهة أخرى.
وتشير هذه الأحداث والتطورات ذات الدلالة فى خمس دول أوروبية مهمة ومحورية على مدى أشهر قليلة إلى مدى عمق وتعقد الأزمة السياسية التى تعانى منها الدول الرئيسية فى القارة، ومن ثم تؤثر على القارة بمجملها، مع تنوع مصادر الأزمة وتعدد أسبابها، ولكنها جميعا تصب فى إطار ما يعتبره الكثير من المحللين الأوروبيين أو المهتمين بالشئون الأوروبية أنها علامات شؤم تنذر بالمزيد من التردى والتدهور للأوضاع السياسية غير المستقرة أصلا فى القارة، بل ويذهب البعض من هؤلاء إلى القول بأن الحالة السياسية الغالبة الآن فى أوروبا تشبه فى العديد من جوانبها، خاصة الاستقطاب السياسى والأيديولوجى الحاد واللجوء إلى العنف فى الاحتجاجات السياسية، الحالة السياسية التى شهدتها أوروبا وهى على أعتاب التطورات التى أدت إلى إرهاصات الشرارات الأولى للحرب العالمية الثانية منذ قرن وعدد قليل من السنوات فى زمن مضى ويتمنى جميع الأوروبيين ألا يعود ولا تعود أحداثه أبدا إلى قارتهم ولا إلى العالم بأسره.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved