البرنامج النووى الإيرانى بين القانون والسياسة


نميرة نجم

آخر تحديث: الإثنين 21 نوفمبر 2011 - 9:55 ص بتوقيت القاهرة

لقد أثار التقرير الأخير لوكالة الطاقة الذرية والذى صدر فى مستهل شهر نوفمبر 2011 حول إيران ضجة كبيرة بشأن مدى امتثالها لالتزاماتها القانونية الدولية المنبثقة عن عضويتها فى معاهدة منع الانتشار النووى واتفاقاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفى ظل قرارات مجلس الامن ذات الصلة ومدى تسييس هذا التقرير بشكل يؤثر على حيدة الوكالة كمؤسسة دولية مستقلة تحقق وتضمن امتثال الدول أعضائها لالتزامتها القانونية.

 

وهنا يقتضى الأمر البدء بتوضيح بعض النقاط ومنها أن إيران طرف فى معاهدة عدم الانتشار منذ عام 1970 ووقعت اتفاق ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1974 والذى بموجبه تلتزم إيران بتقديم تقارير للوكالة عن برنامجها النووى وتقوم الوكالة بزيارات لها للتحقق من صحة ما ورد فى التقارير لضمان الأغراض السلمية للبرنامج وفى عام 2003 وقعت إيران على البروتوكول الإضافى الذى يمنح مفتشى الوكالة حقوق أوسع فى التحقق ولكنها لم تصدق عليه بسبب التطورات على الساحة السياسية. هذا وأن إيران فى تخصيبها لليورانيوم تمارس حقا شرعيا وفقا للمعاهدة لأن الدول غير النووية الأطراف فى المعاهدة لها حق غير قابل للتصرف فى تطوير منشآتها النووية للأغراض السلمية بما فى ذلك تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 20%، على أن يتم ذلك فى إطار نظام الوكالة الدولية للتحقق والضمانات، وتقوم العديد من الدول بتطوير برامجها النووية وتغفل ذكر بعض تفاصيلها للوكالة ثم تخطرها بعدها لإزالة أى لبس حول أهدافها ولضمان امتثالها للقواعد القانونية المستقاة من المعاهدة واتفاقاتها مع الوكالة.

 

أما عن إيران، فقد تواتر ذكر اختراقاتها للقانون الدولى فى تقارير الوكالة الدولية وفى مقدمتها عدم الإفصاح عن بعض المنشآت والمواد النووية فى الوقت المناسب، وإجراء علمائها لعدد من التجارب المختلفة على تخصيب اليورانيوم أو عن مشترواتها لخدمة برنامجها النووى، وكانت التقارير تنتهى إلى مطالبة إيران بمزيد من التعاون مع الوكالة لازالة الغموض حول برنامجها النووى، ووقف الأنشطة المتعلقة بتخصيب اليورانيوم كأحد تدابير بناء الثقة لحين التأكد من سلمية البرنامج. امتثلت إيران لبعض المطالبات ولم تمتثل للبعض، مما أدى إلى شن حملة سياسية ضدها انتهت بوضعها تحت نير عقوبات مجلس الأمن والموجهة تحديدا ضد برنامجها النووى والعاملين فيه.

 

●●●

 

وإذا كان الحال كذلك، فما الجديد إذن؟ الجديد هو ان تقرير الوكالة الأخير المشار إليه فى بداية هذا المقال تناول بالتحليل معلومات مخابراتية أتت للوكالة من عدد من الدول أعضائها، ويبدو ان فى مقدمة تلك المصادر معلومات من الاجهزة الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية، وانتهى التقرير إلى الوثوق بهذه المعلومات واعتمد عليها بأفراد جزء جديد يشير إلى تشكك الوكالة فى أن البرنامج النووى الإيرانى يتجه نحو انتاج السلاح وبالتالى فان إيران مطالبة بفتح بابها للوكالة على مصراعيه من أجل التحقق من هذه المعلومات ومدى تطور الجانب العسكرى فى برنامجها النووى.

 

ومن هنا تأتى الخطورة وتكمن الضجة، إن اعتماد الوكالة على معلومات واردة من اجهزة مخابرات الدول المختلفة مسألة مقبولة لأنها لا تمتلك الأدوات التى يمكن أن تحصل بها على تلك المعلومات بنفسها، ولكن اعتبارها موثوق منها قبل التحقق على أرض الواقع امر يشوبه العوار. ونظرا لاستمرار إيران فى المراوغة مع مفتشى الوكالة بشأن مخالفاتها لالتزاماتها الدولية خلال العقد الاخير، فإن وضع البرنامج الإيرانى محل للشبهات مسألة واردة ولكن اعتماد التقرير على معلومات ورد بعضها من الولايات المتحدة وإسرائيل يثير العديد من الشكوك لدى الجانب الإيرانى وهى شكوك مقبولة بسبب حالة التوتر المتزايدة بين إيران وبينهما والناجم عن الدور الإيرانى فى المنطقة فى العراق وسوريا وحزب الله فى لبنان وحماس فى فلسطين، بالإضافة إلى التوتر فى العلاقات الإيرانية الأمريكية منذ عقود.

 

ومن ذات المنطلق، لا يغفل على أحد أنه فى الوقت الراهن وبسبب التصعيد الدولى ضد إيران، أصبح التطور السريع لبرنامجها النووى السلمى مثارا للجدل والشكوك، مما أدى بالوكالة الدولية فى تقريرها الأخير إلى إعادة تقييم بعض الأمور التى سبق وحسمت فى تقارير الوكالة السابقة فى المسألة الإيرانية منذ عامى 2002 و2003 وهو امر يثير الشكوك حول مدى تسييس التقرير فى مقابل اعتماده على المعايير الموضوعية السابق الاعتماد عليها فى التقارير السابقة.

 

●●●

 

وهنا المحك الرئيسى الذى يجب التوقف عنده هو مدى مصداقية التقارير المخابراتية التى وردت الى الوكالة الدولية، خاصة أن ذات الوكالات المخابراتية هى التى قامت بتلفيق العديد من الاتهامات إلى العراق بعد كامل تدمير منشآتها النووية فى التسعينيات وأدت إلى شن حرب غير عادلة ضدها، فكيف لنا التحقق من هذه المصداقية دون التأكد مما هو موجود على أرض الواقع، والسؤال لا يزال يطرح نفسه هل سيتم شن هجوم عسكرى على إيران بناء على دعاية واهنة وتلفيق تهم أم أننا لازلنا أمام مناورة سياسية لحث إيران على الرجوع عن تطوير برنامجها النووى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved