البلدان المتطورة.. إلى الوراء سر!

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الإثنين 21 نوفمبر 2016 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

نشرت مؤسسة الفكر العربى ترجمة «حسين جواد قبيسى» لدراسة أعدَها الخبير الفرنسى فى مجال الاقتصاد والديموغرافيا أوليفييه ماربو Olivier Marbot بعنوان: «البلدان المتطورة: تراجع مُبَرمَج». تتحدث الدراسة عن صعود دول شرق آسيا خلال العقود القليلة القادمة، لتسجل تقدما يفوق الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا.


تبدأ الدراسة باعتبار أن الصين ستصبح فى المدى القريب، أى خلال عقد واحد من الزمن، بحسب ما يرى المحللون الاستراتيجيون والمختصون بعلم المستقبل، الدولة الأولى فى العالم، متقدِمة على الولايات المتحدة. وتؤكد على ذلك من خلال المؤشرات الواردة فى تقرير صادر عن «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية». يكاد هذا التقرير لا يُضيف شيئا إلى ما هو معروف، باستثناء ما يقوله من أن هذا التقدم سيتجلى حقيقة واقعة بدءا من العام 2016، وليس بدءا من العام 2020، كما هو شائع فى الأدبيات الاقتصادية.


علينا أن نعترف أن العام 2012 هو العام الذى اجتازت فيه الصين خط التفوق فى السباق الدولى؛ فإجمالى الناتج المحلى (PIB) للصين تخطى جملة دخول دول منطقة اليورو الـ17 مجتمعة. فإذا تركنا جانبا التمارين المدرسية التى تُعطى لطلاب الاقتصاد حول الناتج القومى للبلدان المختلفة، علِمنا أن هذا الناتج ليس مقياسا مطلقا لقياس ثروات البلدان المختلفة ومدى غناها، ولا يصلح، بخاصة، لقياس نوعية المعيشة ومستواها داخل كل بلد. لكن ذلك لا يَحول ــ اقتصاديا على الأقل ــ دون أن تكون كفَة الشرق هى الآخذة فى الرجوح فى الميزان الاقتصادى للعالم، ودون أن يكون هذا الحدث آخذا فى الرسوخ، وسيزداد رسوخا طيلة النصف الأول من القرن الحالى.


***

تشير الدراسة إلى أن التقرير الصادر عن «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية»، تحت عنوان: «آفاق 2060: النمو الاقتصادى الشامل على المدى البعيد»، يبدو أحيانا لقارئه شبيها بعملية جَلد الذات، حيث إنه يُعلِن الخسائر التى تُصيب هذا الكم الكبير من البلدان المتطورة (34 دولة) لمصلحة عدد من البلدان «النامية» اقتصاديا وأخرى «فى طريقها إلى النمو». فالدولة الثانية التى ستتخطى أوروبا والولايات المتحدة بعد الصين، هى الهند؛ وفى نحو العام 2025 سيتخطى وزن الصين والهند الاقتصادى مجتمعتَيْن وزنَ جميع الدول الأعضاء فى منظمة «الكبار السبعة» (G7)، وفى العام 2060 يكون وزن تَيْنكَ الدولتين قد تجاوز بأشواط بعيدة وزن دول «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» جميعا.


هذا الحدث البالغ الأهمية سيشمل فى واقع الأمر بلدان جنوب شرق آسيا جميعا، ففى ظل العملاقين الصينى والهندى سينتعش وينمو الوزن الاقتصادى لإندونيسيا وماليزيا والفيليبين وفيتنام وكمبوديا وماينمار، فقد أخذت تلك البلدان ومنذ فترة، تسجل أرقام نمو اقتصادى مدهشة، تتميَز بالثبات والديمومة. وتتطرق الدراسة لتفسير ديفيد كاربون David Carbon (وهو كبير خبراء الاقتصاد فى «بنك سنغافورة للتنمية) لهذا الواقع بقوله إن ما يميِز فترة النمو الاقتصادى الحالية عن الفترات السابقة بين العامين 2000 و2007، هو أن هذه البلدان جميعا آخذة بالنمو والتقدم، فى حين تمر الولايات المتحدة وأوروبا بحالة من الركود والتراجع. فمنطقة جنوب شرق آسيا هى اليوم أكثر مناطق العالم حيوية ونشاطا على الصعيد الاقتصادى. فمَن يمتلك أموالا للاستثمار، ما عليه اليوم سوى أن ييمِمَ وجهَه شطر تلك البلاد لكى يُصيب ربحا وخيرا وافِرَيْن. فشمال البوصلة الاقتصادية بات اليوم جنوب شرق آسيا»!

***

تنتقل الدراسة بعد ذلك للتنويه على أن البلدان الآسيوية، بما فيها تلك التى تتقدم بخطى واسعة، ما زالت شديدة التخلف على صعيد دخل الفرد فيها، أى توزع الثروة بين مواطنيها. وتلك هى النقطة المهمة الثانية التى يُشير إليها تقرير «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» «آفاق 2060»: فحتى ولو زاد إجمالى الناتج المحلى فى هذه البلدان الناهضة اقتصاديا، 3% سنويا للفرد، فى مقابل الزيادة السنوية لهذا الناتج بنسبة 1.7% فى البلدان المتطوِرة، فإن التفاوت سيبقى على حاله فى العام 2060. بطبيعة الحال، سيتقلَص التفاوت فى الغنى، فأبناء البلدان الفقيرة ستتضاعف دخولهم 4 مرات بين العامين 2011 و2060، فى حين أن دخول الهنود والصينيين ستتضاعف 7 مرات. على أن الأمريكى أو الأوروبى سيبقى بعد خمسين عاما أغنى من الفيتنامى أو البرازيلى. ما يعنى أن الأمور ستبقى أيضا نسبية ضمن الوجهة العامة.


فى موازاة ذلك، يقول كنزوكى تنكة، مدير مكتب آسيا فى «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» إن ثمة أمرا بالغ الأهمية، وهو أنه «يُحكى كثيرا عن صعود طبقة وسطى فى البلدان الآسيوية، وتلك حقيقة قائمة وأمرٌ واقع منذ عشر سنوات على الأقل. بيد أنه يجب ألا يغيب عن البال أبدا أن هذه الظاهرة يترتَب عنها نتائج خطيرة، ولاسيما على صعيد الارتفاع الهائل فى نفقات التعليم والرعاية الصحية».

أما عن التطوُر الديموغرافى؛ تشير الدراسة إلى ندرة البلدان التى لم تعرف هبوطا مريعا فى معدَلات الولادات فيها خلال السنوات الأخيرة، سواء كانت تلك البلدان فقيرة أم غنية، متطورة أم فى طريقها إلى النمو؛ فى حين أن متوسط العمر المتوقَع فيها آخذ فى الصعود المستمر. أما ما يترتَب على ذلك، فما هو إلا نتيجة منطقية له: ففى العقود الخمسة المقبلة سيتناقص حجم القوى العاملة والفاعلة «أى الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و65 سنة، استنادا إلى المعايير المُعتَمَدة حاليا» بالنسبة إلى جملة حجم السكان فى كل بلد؛ فى حين أن حجم باقى السكان الذين يتَكِلون فى عيشهم على تلك القوى سيتزايد كثيرا.

يذكر تقرير «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» أن أكثر من 60% من سكان كوريا وسلوفاكيا وبولونيا واليابان فى العام 2060 سيكون فوق الـ65 عاما، وأن هذه النسبة ستتجاوز الـ50% فى الصين وسلوفينيا وتشيكيا وهنغاريا وإسبانيا وسويسرا وأستونيا والنمسا والبرتغال واليونان وإيطاليا وألمانيا.


تختم الدراسة بأنه بالرغم من أن هذه التوقعات معروفة من قبل أن يعلنها التقرير المذكور، فنادرة هى البلدان المتقدمة التى تأخذها مأخذ الجد وتُعِدُ لها وتعمل بما يقتضى مواجهتها. غير أن الهند وإندونيسيا بخاصة، سوف تتفادَيان تلك الظاهرة بفضل نسبة الولادات المرتفعة لديهما. فهذان البلدان كلاهما، سوف يتخطى نسبة نموهما، فى غضون السنوات العشر المقبلة، تلك التى عرفتها الصين.


وأخيرا لن يكون أسياد اليوم هم أسياد العالم غدا! لكن صاحب الفطنة الأكثر ذكاء، هو من يعرف مَن هم سادَةُ العالم بعد غد!!

النص الأصلى:

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved