ادفع بالتى هى أحسن: الحد الأدنى للأجر يعود

سلمى حسين
سلمى حسين

آخر تحديث: الجمعة 21 ديسمبر 2018 - 10:50 م بتوقيت القاهرة

جنوب إفريقيا تعلم العالم من جديد. «لن يأتى التغيير بدون تدخلات عميقة.. اعتقادنا الراسخ هو أن السلاح الأكثر فاعلية فى الحملة ضد الفقر، هو العمل اللائق. من ناحيتنا، كحكومة، نتعهد بأن ندرس ونحقق فى إمكانية إقرار حد أدنى للأجر على المستوى القومى، كإحدى الآليات الأساسية لتخفيض التفاوت فى الدخول». هكذا تعهدت الحكومة أمام البرلمان فى العيد العشرين للديمقراطية والحرية، ذكرى أول انتخابات حرة بعد سقوط نظام الفصل العنصرى. كان ذلك عام 2014.
بعد ذلك بعامين، فى 2016، كان هناك على مائدة صانع القرار سبع أوراق سياسات وورقة عمل وتقرير، حول موضوع الحد الأدنى للأجر، الدروس الدولية، وضع سوق العمل فى جنوب إفريقيا، آليات التنفيذ والتعديل».
شارك فى صياغة تلك الأوراق أكاديميون من جامعات ومراكز بحثية ومنظمات مجتمع مدنى، إضافة إلى خبراء أجانب من منظمة العمل الدولية ومن جامعات بريطانية وعدد من منظمات المجتمع المدنى الدولى.
كان ذلك حين بدأ نظام الرئيس زوما يتداعى تحت وطأة أحكام قضائية بالفساد. الفساد والمظالم الاجتماعية العميقة سرعان ما نتج عنها تظاهرات واسعة مطالبة برحيله، امتدت طوال العام 2017. ثم أعلن الرئيس تنحيه بعد ضغوط من الحزب الحاكم. ولم يتراجع الرئيس المنتخب الجديد فى جنوب إفريقيا عن خطة الحد الأدنى للأجر:

فما أفضل من إحلال العدالة لتثبيت دعائم حكم؟

أول ما قدمته الأوراق هو توضيح الفروق الهائلة فى بلد ما زالت العنصرية تهيمن فيها على هيكل الأجور، لتصير أكبر بلد من حيث اللا مساواة فى العالم. حيث حقق متوسط الأجور الحقيقية زيادات بعد انهيار نظام الفصل العنصرى، إلا أن تلك الزيادات كانت من نصيب المديرين على حساب العاملين فى أسفل سلم الأجور. حيث صار يدخل جيوب أغنى 20٪ من العاملين ثلثى إجمالى الدخول. والعكس، لا يحصل أفقر 60٪ من العاملين بأجر سوى على 20٪ فقط من إجمالى الأجور. ويحصل العاملون البيض فى المتوسط على ثلاثة أضعاف أجور العاملين من ذوى الأصل الإفريقى ولا يختلف الوضع السيئ كثيرا بالنسبة للعاملين الفقراء من أصل آسيوى/ هندى.

وفوق كل ذى علم..

الصراع السياسى

بعد أن تكلم العلم، جاء وقت التفاوض. فكانت المحادثات رباعية الأطراف: ممثلو القطاع الخاص وممثلو العمال من النقابيين، والحكومة والمجتمع المدنى كأطراف محايدة. استمر التفاوض أكثر من عام، وانتصر العلم أحيانا وخسر فى بعض المعارك، بسبب موازين القوى التى غلبت وجهة نظر أصحاب الأعمال والمستثمرين. تأجل خلالها التصويت على القانون فى البرلمان أكثر من مرة. حتى تم إقراره فى مايو 2018، بعد مظاهرات واسعة احتجت فيها النقابات العمالية على ضآلة المبلغ. ولم يوقع عليه الرئيس إلا فى 26 نوفمبر، بعد المزيد من الضغوط السياسية، والتنازلات.
الخلاصة: ضمن كل من الدراسات المحايدة والتفاوض وحرية التظاهر السلمى أن يأتى الحد الأدنى للأجر أعلى من خط الفقر، وواجب التعديل كل فترة، وملزما للجميع. ولا استثناء من تطبيقه إلا بموافقة مجلس متخصص. مع مد فترة انتقالية مراعاة لظروف بعض القطاعات. مكسب للجميع. وكان من ضمن المواءمة، القبول بحد أدنى للأجر أقل مما أشارت إليه الدراسات (20 راند بدلا من 24).
تواكب توقيع رئيس الجمهورية على القانون فى جنوب إفريقيا مع قيام حركة السترات الصفراء التى اجتاحت فرنسا والتى انتشرت سريعا فى بلجيكا وألمانيا، وسرعان ما انضمت المجر اعتراضا على قانون جديد للعمل، سمى بـ«قانون العبودية». تآكل الأجور لدى الأغلبية إذن هو منبع الحراكات الشعبية الأوسع فى أوروبا اليوم. فلا عجب إذن أن يرد الرئيس ماكرون على الحراك ضد ضريبة جديدة على الوقود فى فرنسا، بإقرار حزمة من زيادات الدخل فى قلبها رفع الحد الأدنى للأجور.

المشكلة عالمية

ظل نصيب العاملين بأجر حول العالم يتآكل خلال العقود الأخيرة، فى مقابل تزايد نصيب الحاصلين على الأرباح. وفى مصر، مع غياب التفاوض الجماعى، والحرية النقابية والدراسات اللازمة، ومع غياب حد أدنى للأجر على المستوى القومى، صار الوضع مثيرا لقلق المؤسسات المالية الدولية التى تقرضنا، مثل البنك الدولى. حيث يلاحظ الأخير أن كل عشرة جنيهات يخلقها الاقتصاد المصرى، تذهب 7.5 منها إلى القلة من أصحاب الثروات ورءوس الأموال و2.5 منها فقط تذهب إلى الأغلبية من أصحاب الأجور. وقد أضيف، ثم يحصل كبار الموظفين (عام وخاص) على معظم ذلك النصيب الضئيل.
فى مصر، يقدر نصيب الواحد فى المائة الأغنى بـ 18٪ من إجمالى الدخول. أى أن 900 ألف فرد يملكون وحدهم حصة من الدخل القومى تعادل مجموع الدخول التى يحصل عليها 45 مليون مواطن، وذلك وفقا لدراسة قام بها توماس بيكيتى وفريقه البحثى عن مصر وعدد من دول الشرق الأوسط.
وكما فى جنوب إفريقيا، تنتشر فى مصر ظاهرة العاملين الفقراء، أى أولئك الذين يكدون ويعملون، ولكن أجورهم لا تكفل لهم الصعود إلى أعلى خط الفقر. قدر البنك الدولى فى عام 2009 نسبة العاملين الفقراء بنصف عدد العاملين فى مصر. يبدو أن تلك النسبة تزايدت بعد ثورة يناير، بحسب بيانات منشورة على موقع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء. ويمكن تفسير هذا الوضع بغياب الحد الأدنى للأجر على المستوى القومى. حيث إنه فى عام 2011، تقرر حد أدنى أفاد أقلية فقط من العاملين فى الحكومة (200 ألف موظف حكومى فقط استفادوا من الحد الأدنى للأجر الذى أقر بفضل ثورة يناير).
مصر من الدول القليلة حول العالم التى ليس لديها حد أدنى للأجر على المستوى القومى. يتركز معظم العاملين الفقراء فى القطاع غير الرسمى، يليه القطاع الخاص (معا، يشكلون أكثر من 85٪ من العاملين الفقراء)، وفقا للبيانات الرسمية فى عام 2012ــ2013. ولا يخلو القطاع الحكومى من أولئك الفقراء، حيث ظل أولئك الذين لم ينطبق عليهم الحد الأدنى للأجر الذى أقره الرئيس عدلى منصور فى عام 2013 تحت خط الفقر.
إذن مع انتشار تلك الظاهرة، لعل المدخل السليم للقضاء على الفقر فى مصر، كما فى جنوب إفريقيا، هو إقرار حد أدنى للأجر موحد فى كل القطاعات يفرض بقانون على المستوى القومى، ويعدل دوريا وفقا لآلية مقبولة مجتمعيا.
ولكن كيف يؤثر الحد الأدنى للأجر على رفع مستوى معيشة الأسرة؟. توضح عبارة من بيان البرلمان فى جنوب إفريقيا آلية عمل الحد الأدنى للأجر: «يحدد القانون 20 راند كحد أدنى للأجر فى الساعة، لمعظم العاملين، وهو ما من شأنه أن يرفع دخول 6 ملايين جنوب إفريقى، أى أكثر من نصف العاملين من القوى العاملة، وهم أولئك الذين يحصلون حاليا على أقل من هذا المبلغ». هكذا، بضربة واحدة يتم انتشال معظم الفقراء.

آن الأوان

للمرة الأولى منذ عقود.. وبسبب تطبيق برنامج الصندوق الذى أدى إلى تدهور مستوى معيشة أغلبية المواطنين، تقل مساهمة الطلب المحلى الخاص فى النمو، وفقا لتقارير البنك المركزى وصندوق النقد. لذلك يؤدى إقرار حد أدنى للأجر لكل المصريين يراعى الحد الأدنى لسلة الاحتياجات كما يراعى الحد الأدنى من مستوى المعيشة لدى الأسرة، والتضخم ــ على غرار التجربتين الجنوب إفريقية والماليزية، من شأنه أن ينشط الطلب المحلى، ومن ثم عجلة الإنتاج والنمو، أفضل أنواع النمو، النمو الودود للفقراء.
الميزة أيضا أن إقرار حد أدنى للأجر على المستوى القومى لا يقع عبؤه المالى على الحكومة وحدها. وإنما العبء يقع بالأساس على المستثمرين وأصحاب المشروعات المتوسطة والصغيرة فى القطاع الخاص وغير الرسمى. حيث إن هؤلاء هم المصدر الأساسى للاستغلال والإفقار، ويقدمون أجورا أقل من القطاع الحكومى وأقل كثيرا من خط الفقر. الإنصاف هو أن يدفع كل صاحب مشروع للعاملين لديه حقهم، وليس حسنة.
يجد عدد من صانعى القرار أن المبادرة باتخاذ الطرق السلمية والديموقراطية، من أجل رفع مستوى معيشة المواطنين هو وسيلة ناجعة لتفادى الانفجارات الاجتماعية المفاجئة أو لتهدئتها. هكذا فعل ماكرون ومن قبله رؤساء جنوب إفريقيا. ولعل لنا فى تاريخ مصر الحديث عبرات: حيث كان الحد الأدنى للأجر وسيلة لإقرار السلم الاجتماعى فى لحظات التقلبات السياسية. استخدمه كل من الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى أول حكمه، وعلى نطاق أضيق كثيرا استخدمته كل من حكومة المجلس العسكرى فى 2011 وحكومة عدلى منصور فى عام 2013.
ختاما، لا أنسى مشهد تهديد مبطن رأيته فى مارس من عام 2011، حين التقى وزيران من أول حكومة بعد «الثورة» مع نخبة من كبار رجال الأعمال (أهم معارضى الحد الأدنى للأجر وغيره من إجراءات العدالة الاجتماعية، مثل ضرائب على أرباحهم وتعليم مجانى لائق)، محذرين أن «ربنا ستر حتى الآن»، وأن عليهم قبول تنازلات اقتصادية واجتماعية، وإلا فلن يهدأ الشعب. ادفع بالتى هى أحسن.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved