ما بعد سقوط الهيمنة.. نحو نظام عالمى جديد
مصطفى كامل السيد
آخر تحديث:
الأحد 22 فبراير 2026 - 4:38 م
بتوقيت القاهرة
التهديد المستمر من جانب الولايات المتحدة فى ظل رئاسة دونالد ترامب باستخدام قواتها المسلحة لإسقاط حكومات، والاستيلاء على أقاليم أو دول أخرى، وقلة التأييد الذى تحظى به مع استمرارها فى هذا الأسلوب، يؤكد أنها قد فقدت الهيمنة على النظام الدولى. وحتى إذا كانت تملك السيطرة العسكرية بحكم ترسانتها الضخمة من مختلف الأسلحة غير التقليدية، التى تتفوق فى حجمها على ما تملكه أى قوة أخرى بما فى ذلك كلٌّ من الصين وروسيا، فإن هذه السيطرة العسكرية لا تضمن لها أن تسير الدول الكبرى، ولا معظم القوى المتوسطة، وراءها، ولا أن تنفذ إرادتها على هذه الدول لا فى المجال السياسى ولا فى المجال الاقتصادى. يكفى دليلًا على ذلك اضطرارها إلى التراجع عن التعريفات الجمركية العالية التى فرضتها على معظم دول العالم، حتى قبل قرار المحكمة العليا الأخير بعدم قانونية هذا الإجراء من جانب رئيس السلطة التنفيذية تعديًا على اختصاص أصيل للسلطة التشريعية. كما تشهد على ذلك أيضًا مقاطعة الدول الكبرى، أصحاب العضوية الدائمة فى مجلس الأمن، ومعظم القوى الوسطى الصاعدة، الانضمام إلى ما يُسمى بمجلس السلام الذى دعا له الرئيس الأمريكى.
التمييز بين الهيمنة والسيطرة أمرٌ مهم، لأنه يكشف عن حدود القوة التى تملكها الولايات المتحدة فى الوقت الحاضر، ولأن سقوط الهيمنة يعنى أيضًا سقوط النظام العالمى الذى كان يستند إليها، ويفتح السؤال عن ملامح النظام العالمى الذى يمكن أن يخلفه. السيطرة هى التمكن من فرض الإرادة، سواء كانت لدولة على النظام الإقليمى أو العالمى، أو لقيادة سياسية على دولتها، وذلك باستخدام القهر من خلال القوة المسلحة أو التهديد باستخدامها. أما الهيمنة فهى القبول الطوعى لإرادة هذه الدولة أو القيادة دونما الحاجة لاستخدام القهر، وذلك بفضل ما تملكه هذه الدولة من أدوات القوة الناعمة مثل الأيديولوجيا التى تكسب أنصارًا كثيرين خارج حدود الدولة المهيمنة، أو جاذبية ثقافتها ونمط حياتها الذى يقلده الآخرون، أو تفوق مؤسساتها الأكاديمية والبحثية، أو انتشار إعلامها الذى يحمل رسالتها ويعرض نمط حياة مواطنيها الذى يتسم بالرغد، ونظامها السياسى الذى يضمن الاستقرار مع تمتع المواطنين بحرياتهم المدنية والسياسية، ودبلوماسيتها ذات الاهتمامات المتعددة التى لا تتوقف عن طرح حلول لأزمات إقليمية وعالمية تحظى بالتأييد.
ويطرح علماء العلاقات الدولية ثلاثة نماذج لهذه الدولة المهيمنة؛ كانت هولندا خلال القرن الثامن عشر، وأعقبتها بريطانيا منذ القرن التاسع عشر وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، ثم الولايات المتحدة منذ نهاية تلك الحرب، وبدرجات متفاوتة حتى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين. التفوق الاقتصادى ضرورى للتمتع بالهيمنة، ولكنه ليس كافيًا. ولذلك ذهب جوزيف ناى، أحد علماء السياسة الأمريكيين، إلى أنه حتى إذا كانت الولايات المتحدة فى طريقها لأن تفقد مكانتها كأكبر اقتصاد فى العالم فى مواجهة الصين، فهى ستظل قائد النظام العالمى بحكم امتلاكها لعناصر القوة الناعمة تلك، والتى لا تتمتع بها الصين حسب رأيه عندما طرح هذه الفكرة.
الذى يهمنا فى هذا الطرح هو الادعاء بأن وجود دولة مهيمنة هو شرط لانتشار النظام الاقتصادى الليبرالى الذى يقوم على حرية الملكية داخل كل دولة وحرية التجارة فيما بين الدول. لأن الانتقال إلى هذا النظام تكتنفه الصعوبات، فلا المزايا الناتجة عنه ولا الأعباء التى تصحبه تتوزع بالتساوى، كما أن الانتقال إليه يقتضى توافر معارف وخبرات لا تتوافر لكل الدول. ولذلك تقوم الدولة المهيمنة بتيسير هذا الانتقال. كانت بريطانيا تفتح سوقها لصادرات الدول الأخرى، وسهّل الجنيه الإسترلينى التجارة بين هذه الدول، وساعدت الولايات المتحدة دول أوروبا الغربية والوسطى ودول شرق آسيا على الانتقال إلى هذا النظام بالمساعدات المباشرة وبفتح سوقها الواسع، وحلول الدولار محل الإسترلينى كأداة تبادل. ولكن إلى جانب التفوق الاقتصادى لكل منهما، وتمتعهما بقوة عسكرية لا تُبارى، استندت هيمنتهما إلى نظام سياسى مستقر يوفر الحريات، وجامعات متقدمة، وثقافة منتشرة عالميًا بفضل سهولة تعلم لغتهما، ونمط حياة تطلعت الطبقات الوسطى والعليا فى معظم دول العالم لتقليده، فضلًا عن دبلوماسية نشطة فى كافة المحافل.
هيمنة أى دولة على النظام العالمى ليست هيمنة مطلقة، فهناك دائمًا دول منافسة لها، ولكنها لا تملك كل عناصر القوة الصلبة والناعمة التى تملكها الدولة المهيمنة. نافست ألمانيا بريطانيا وقت ما سُمى بالسلام البريطانى، ونافس الاتحاد السوفييتى والصين الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بنموذج سياسى واقتصادى اشتراكى وبأيديولوجيا شيوعية كان لها أنصارها فى كل العالم. ولكن سقوط الكتلة الاشتراكية فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، وتبنى الصين الشعبية قبل ذلك بعقد عناصر من نموذج اقتصاد السوق، جعلا الولايات المتحدة تنفرد بأنها تقود النموذج الوحيد الناجح اقتصاديًا وسياسيًا فى العالم، ومكّنا لها الهيمنة حتى بداية القرن الحادى والعشرين عندما بدأت عناصر هيمنتها فى التآكل.
سقوط الهيمنة الأمريكية
لا تملك الدولة المهيمنة الحيلولة دون ظهور دول أخرى تنافسها على زعامة النظام العالمى. لا شك أن صعود الولايات المتحدة اقتصاديًا منذ القرن التاسع عشر كان يعود إلى اقتدائها بنموذج الثورة الصناعية الأولى التى بدأت فى بريطانيا، ثم أصبحت تنافس بريطانيا فى الثورة الصناعية الثانية بابتكارها سلع الاستهلاك المعمرة مثل السيارات وأجهزة التليفزيون والثلاجات، حتى أصبحت هى القوة الصناعية والاقتصادية الأكبر فى العالم. وبالمثل، فالمساعدات التى قدمتها الولايات المتحدة لدول غرب ووسط أوروبا وشرق آسيا هى التى مكنت هذه الدول من تعمير اقتصاداتها التى دمرتها الحرب العالمية الثانية، والانطلاق بعد ذلك على طريق النمو، بحيث أصبحت دول مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية تنافس الولايات المتحدة. بل إن السوق المفتوحة فى الولايات المتحدة وفرت للصين مجالًا رحبًا لتصدير منتجاتها، بحيث أصبحت، وهى غريم الولايات المتحدة، تحصل منها على أكبر فائض فى ميزان مدفوعاتها، وتتمكن بهذا الكسب وغيره من أن تصعد على ميزان القوة الاقتصادية، وأن تكون على وشك أن تنتزع منها مكانة أكبر اقتصاد فى العالم.
ولكن سقوط الهيمنة الأمريكية لا يعود فقط إلى صعود هذه القوى الاقتصادية، ولكن لأن عناصر قوتها الناعمة قد اهترأت. فهى لم تعد تتمسك بمبادئ الاقتصاد الليبرالى الذى يقوم على حرية التجارة التى كانت تدعو لها؛ إذ تتخذ إجراءات من قبيل تعريفات جمركية عالية وقيود أخرى عندما تشعر حكومتها بأن الدول الأخرى تستفيد من سوقها المفتوحة. ونظامها السياسى لم يعد نموذجًا يُحتذى، لكثرة الخلافات بين سلطتيها التنفيذية والتشريعية، الأمر الذى شل عمل الحكومة تكرارًا، ونتيجة سيطرة جماعات المصالح الضيقة عليه، سواء من أصحاب الشركات الكبرى أو الذين يخدمون مصالح دول أخرى مثل إسرائيل. وسلطتاها التشريعية والتنفيذية تضيقان بممارسة حرية الرأى والتعبير داخل الجامعات، فتحدان من استقلالها حتى فى تدريس بعض المقررات أو اختيار أعضاء هيئات التدريس، وتمنعان عنها التمويل فى مشروعات بحثية تعود بالنفع على صحة المواطن الأمريكى.
القوى الوسطى وما بعد سقوط الهيمنة:
يطرح علماء العلاقات الدولية تصورات متعددة لطبيعة النظام العالمى بعد سقوط الهيمنة؛ منها استمرار مؤسسات النظام القديم رغم فشلها ونقائصها، ومنها اتفاق القوى الكبرى فى النظام القديم على نظام جديد، ومنها نشوب صراع عالمى بين الدولة المهيمنة سابقًا والدولة المنافسة لها. التصور الأول هو ما نشهده الآن؛ فمؤسسات النظام القديم السياسية والاقتصادية ما زالت قائمة، سواء صندوق النقد والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية أو الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. وليست هناك بوادر لا لاتفاق الدول الكبرى على نظام بديل، ولا أن الحرب قد تندلع بين الولايات المتحدة والصين بسبب الترابط القوى بين اقتصاد كل منهما.
ولكن هناك فرصة أمام الساخطين على النظام القديم، مع حرصهم على إحدى سماته النظرية التى لم تكن تجد الاحترام فى الواقع، وهو أنه نظام يقوم على القواعد. هؤلاء لا يشملون فقط الدول متوسطة القوة فى آسيا وإفريقيا والأمريكتين، ولكنهم يشملون أيضًا الصين وروسيا والهند والبرازيل، أقطاب «بريكس». هذا التجمع الكبير، الذى يضم غالبية سكان العالم وما لا يقل عن ثلث الناتج العالمى، ويحظى بقدرات تكنولوجية وعسكرية هائلة، يتطلع إلى إقامة نظام متعدد القوى تسوده قواعد الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية.
فهل تستطيع مصر، ولها تاريخها الرائد فى إنشاء مجموعة عدم الانحياز، أن يكون لها دور فى الدعوة إلى بلورة مثل هذا التجمع والمساهمة فى وضع قواعده التى تخرج بالعالم من الفوضى التى تلحقها به قيادة الدولة التى فقدت هيمنتها عليه وتعوض عن ذلك باتباع أسلوب البلطجة؟