موت الصحف الورقية وإحياؤها
محمد زهران
آخر تحديث:
الجمعة 22 مايو 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
هل انتهى عهد الصحف الورقية؟
هل يجب على تلك الصحف أن تستسلم لقدرها؟
ما عوامل البقاء لتلك الصحف؟
إذا قررنا إحصاء عدد القراء الذين يقرأون هذا المقال رقميًا، وهؤلاء الذين يقرأونه ورقيًا، لرجحت كفة الرقمى وبفارق شاسع. هل نشهد عصر أفول الصحافة الورقية؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فلماذا؟ هناك تداعيات كثيرة لهذا الأمر، منها أنه فى بلادنا لا تصبح عضوًا عاملًا فى نقابة الصحفيين إلا إذا عملت فى صحيفة ورقية، على حد علمى. هل من شىء يمكن عمله لتدارك الأمر؟ وهل نرغب فعلًا فى تدارك الأمر؟ هذا ما سنناقشه فى مقال اليوم.
الحصول على الخبر أصبح سهلًا وسريعًا، ووكالات الأنباء موجودة ولها مواقعها على الإنترنت وصفحات مواقع التواصل الاجتماعى. الصحف لم يعد عملها الإتيان بالخبر بل تحليله ومناقشة قضايا تهم القارئ، إذن فمهمة الصحف تتركز فى المحتوى الأكثر عمقًا.
الصحيفة الرقمية أسهل فى البحث، ويمكن تطويعها لإعطاء كل قارئ الأخبار والمحتوى الذى يهمه حسب تفاعله مع الموقع، أى أن القارئ يصبح تحت سيطرة الخوارزميات. المحتوى الرقمى معك أينما كنت، سواء على تليفونك أو أى جهاز آخر تحمله. فى النسخة الرقمية يمكن تعديل المقال أو الإضافة إليه كلما ظهرت معلومات جديدة. المحتوى الرقمى أيضًا أقل تكلفة، نظرًا لارتفاع أسعار الأوراق والحبر والطباعة والنقل، إلخ. كما أن المحتوى الرقمى قد يحتوى على فيديوهات، وهو ما يفضله الجيل الجديد على قراءة مقال طويل، وهذا يأخذنا إلى نوعية الجمهور.
•••
المحتوى والجمهور
استخدمت هنا كلمة الجمهور بدلًا من كلمة القارئ؛ لأن الجيل الجديد يفضل الفيديو على القراءة. هذا طبعًا يأتى على حساب العمق. الجيل الأصغر سنًا قليل التركيز ويريد المعلومة فى كبسولة، والجيل الأكبر هو الذى لا يزال يقرأ الصحف الورقية، وليس كل الجيل الأكبر أيضًا، لأن منهم من يعزف عن القراءة أصلًا. إذن، المستقبل يقول إن قراء الصحف الورقية سيختفون، وسيبقى جمهور الصحف الإلكترونية، لكنى أعتقد أن الصحف الورقية لن تختفى تمامًا، بل ستبقى سلعة لفئة قليلة من الناس؛ لأن حتى فى الجيل الأصغر سنًا هناك من يحب القراءة الورقية، صحفًا وكتبًا، وهم فئة قليلة لكنها موجودة.
هناك عدة أسباب تسهم فى عدم انقراض الصحف الورقية:
• الصحف الورقية العريقة تمتاز بمصداقية عالية، نظرًا لقواعد النشر الصارمة، وليست مثل المحتوى الرقمى المفتوح «لكل من هب ودب».
• قراءة الصحف الورقية تُخرج القارئ من سيطرة الخوارزميات وتجبره على قراءة، أو حتى ملاحظة، تقارير أو مقالات خارج اهتمامه، مما يسهم فى توسيع أفقه.
• القراءة الورقية تساعد على التركيز أكثر من القراءة من الشاشة، حتى ولو كانت الشاشة تستعمل الحبر الإلكترونى (e-ink) الأقل ضررًا على العين.
هذه الأسباب وحدها لا تكفى لإنقاذ الصحافة الورقية، فهناك أدوات يمكن أن تستخدمها تلك الصحف كأطواق للنجاة.
•••
أدوات النجاة
لن نتكلم عن الاشتراكات ولن نتكلم عن الإعلانات بل سنحاول التفكير فى إيجاد مصادر أخرى للدخل:
• يمكن للجريدة نشر مطبوعات تتكون كل منها من تجميع مقالات فى مجال معين. كل واحدة من تلك المطبوعات تعتبر مصدرًا ثريًا جدًا للباحثين فى المجال الذى تتبناه المطبوعة، مثلًا: تجميع للمقالات والتحليلات المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعى على حياة الناس، أو تأثير الحرب فى أوكرانيا على اقتصاد الطاقة، أو تأثير كوفيد على سلاسل الإمداد، إلخ. يمكن بيع تلك المطبوعات، سواء ورقيًا أو رقميًا، للمراكز البحثية والجامعات. مجلة (Harvard Business Review) من أنجح المجلات فى هذا المضمار.
• عطفًا على النقطة السابقة، تقوم مجلة هارفارد السابق ذكرها بعمل دورات تدريبية معتمدة على المقالات المنشورة فى المجلة فى موضوع معين عبر تاريخها، وهذا الموضوع هو موضوع تلك الدورة التدريبية، مثلًا: دورة تدريبية عن تحليل الحروب واستنتاج السيناريوهات الممكنة.
• بعض مقالات الرأى والمقالات التحليلية يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا فى قاعات المحاضرات فى الجامعة. يمكن لكل مقال أو عدة مقالات أن تكون نقطة بداية للتفكير النقدى والتحليلى للموضوع الذى تتعرض له المقالات، وبالتالى تُصدر الصحيفة مجموعة من الأسئلة والتدريبات التى يمكن مناقشتها فى القاعة. صحيفة (Wall Street Journal) من الصحف المهمة التى تقوم بذلك.
• بعض الصحف يمكنها عقد مؤتمرات متعلقة بموضوع معين غطته الصحيفة. هذه المؤتمرات تكون مصدرًا للدخل، وفى الوقت ذاته مصدرًا للمعلومات التى ستتولد من المناقشات داخل المؤتمر.
• الصحف الورقية يجب أن يكون لها وجود رقمى كبير أيضًا، يتمثل فى فيديوهات تشرح محتوى المقالات أو ضيف متخصص يناقش مجموعة من المقالات، إلخ. نرى ذلك جليًا فى مجلة، مثل (The Economist).
• من وسائل النجاة تقليل التكلفة، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعى أن يمد يد العون فى التصحيح والتحرير والتلخيص والبحث، إلخ، ما يوفر وقتًا ونفقات.
• بخلاف الاشتراكات والإعلانات وبيع المنتجات التى ذكرناها أعلاه، يمكن للصحف والمجلات الحصول على تمويل أو تبرعات من الجامعات (لاحظ أن بعض المنتجات المذكورة متعلقة بالجامعات)، أو )تبرعات من القراء (كما فعلت مجلة Nautilus العلمية، إلخ.
• القارئ للمحتوى الرقمى يتوقع أن يكون المحتوى مجانيًا، لكن مثلما تفعل كبرى المجلات العالمية يمكن جعل بعض المحتوى مجانيًا، وهو الجزء المتعلق بالخبر، وجزء آخر يستلزم الاشتراك، وهو المتعلق بالتحليلات الأكثر عمقًا.
•••
الصحف الورقية من المفترض أن تعطى التحليل والعمق، وليس الخبر السريع. الصحف والمجلات الورقية لن تختفى، ولكن الذى سيختفى هو المؤسسات الصحفية التى تكتفى بالورقى فقط.