شوماخر العنتبلى

أسامة غريب
أسامة غريب

آخر تحديث: الجمعة 22 مايو 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

كانت جلستنا على القهوة هذا الأسبوع ممتعة للغاية.. التقيت بعد غياب طويل صديقنا القديم شوماخر العنتبلى، فيلسوف وحكيم قهوة طوطح بالسكاكينى، كان قديمًا يحرس مرمى فريق ميمى عبد القوى بأرض الجميل، أطلق عليه أصدقاؤه اسم حارس مرمى المنتخب الالمانى القديم نظرًا لموهبته وشهرته فى صد ضربات الجزاء.


لم أفكر أبدًا فى السؤال عن اسمه الحقيقى، له اَراء فى الحب والفن والحياة.. ومن أكثر مواقفه راديكالية إيمانه بأن الثورة فى 23 يوليو ما قامت إلا لأن رفاق عبد الناصر وجدوا البرنسيسات ونساء الطبقة العليا لا يجدن رجالًا حقيقيين يقومون على شئونهن العاطفية ويُلبون احتياجاتهن، وأنهم استكثروا على الشبان «البسكويت» الذين تربوا فى السرايات أن يحوزوا كل هذه الأصناف الفاخرة من الملبن والقشطة والمهلبية، فقرروا أن يقوموا بالثورة وأن يستولوا - إلى جانب الحُكم -على هؤلاء النساء اللاتى كُن الهدف الحقيقى من الحركة المباركة!

من الواضح أن مخ شوماخر قد لسع ولم ير فى ثورة 23 يوليو التى أنصفت العامل والفلاح والموظف، كما وسّعت الطبقة الوسطى وجعلت التعليم المجانى سبيلًا للصعود الاجتماعى.. لم يرَ أى شىء من ذلك واستسلم لتفسيره الخزعبلى، ومع ذلك فقد نويت أن أعابثه لأسمع منه آخر الدرر التى تفتق عنها عقله الألمعى. عندما حاولت أن أختبر إخلاصه لأفكاره القديمة فى هذا الشأن لمحت تردده، ذلك أنه كان يتنبأ بأن قوى مجتمعية جديدة تتلمظ وتستعد للانقضاض على الساحل الشمالى من العجمى حتى السلوم لصيانة نسائه «الحلويات» ممن وصفهم شوماخر بالشباب «الحمضان» الذين ينعمون بما لا يستحقون من «المُزز» الفاخرة.. غير أن الانتظار طال، ومن الواضح أن هذا الأمل لن يتحقق! علّق أحد الأصدقاء بأن شوماخر العنتبلى يتمثل المعتقد الشعبى الموروث عن المستعمر الأوروبى الذى طالما ظن أبناء الشعوب المحتلة أو أقنعوا أنفسهم بأن رجاله باردون، وأن نساءه تتوق للتعرف على «البلدى الأصيل».. وبعد المستعمر ظل هذا المعتقد ساريًا فيما يخص رجال الطبقات المرفهة!


ما رأيك يا عم شوماخر فيما يحدث هذه الأيام من الأخ دونالد ترامب وتغريداته التى لا تتوقف وأكاذيبه المفضوحة؟ قال: لا تحدثونى عن تغريدات أبو إيفانكا، فنحن نعلم أنها كلها فى البكلويز، تقول لى يعنى إيه فى البكلويز أقول لك يعنى فى الكِلِتْش، خصوصًا بعد أن فاقت أكاذيب الرجل البرتقالى كل الفشر الذى ابتدعه زمان أبولمعة. قلت له: مفرداتك مُعبرة تمامًا خصوصًا البكلويز يا أخ عنتبلى. ابتسم شوماخر وأردف: هل تعلمون ما يؤلمنى ويعذبنى هذه الأيام؟ قلنا ماذا؟ قال: «التصريح الذى أطلقه سامى الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانى».


سألته: ماذا قال شقيق بشير وأمين الجميل أصدقاء إسرائيل؟ أجاب: «يجب نزع سلاح المقاومة لأن إسرائيل عندئذ ستنسحب من الأراضى اللبنانية المحتلة طواعية، والجميع فى لبنان يعرف أن إسرائيل لا تريد سوى أن تعيش فى سلام دون أن يهاجمها ويعتدى عليها أحد!»، قلت لشوماخر محتدًا: «هل قال الجميل هذا الكلام؟ مد شوماخر يده وأمسك بيدى»، قائلًا: «والعَشَرة دول زمبؤلك كده، وكمان عندما سأله المذيع عما يكون الموقف لو لم تنسحب إسرائيل» فإنه قال: «ساعتها سنحمل السلاح ونحارب إسرائيل!».


منك لله يا شوماخر.. نكدت علينا يا بعيد.. علت الهمهمات، فقال الرجل: دعكم من حديث الكوارث والمصائب، سأحكى لكم عن آخر أعمالى. سأله أحد الجالسين: أعمالك الأدبية؟.


قال: لا، أعمالى السفلية التى يعجز الجن عن الإتيان بمثلها.. أنتم تعرفون طبعًا أننى أمتلك حارة تحمل اسمى، وضعت على بابها لافتة معدنية تقول: «حارة شوماخر العنتبلى فى منطقة المطبعة بدار السلام، لكن عندما انتقلتُ إلى المرج، حيث أسكن الآن وجدت الامر لا يختلف، أرض زراعية صعدت بها الأبنية الأسمنتية، وأصحاب البيوت يطلقون أسماءهم على الشوارع التى ظهرت فجأة من قلب الغيطان..


كانت المسألة هى من يضع يده أو يدق لافتته أولًا، ذهبتُ إلى محسن الخطاط فكتب لى لافتتين من الصاج وضعتهما على أول الحارة وآخرها.. وبعد فترة امتدت أحلامى إلى الشارع الذى تقع على ناصيته حارتنا، وكانت تتصدره لافتة كُتب عليها: شارع زعتر قاسم، ولما كان زعتر قاسم هذا مجرد بواب تحول إلى مقاول يمتلك عدة بيوت فى الشارع فقد وجدت أنّ اسمى أكثر واقعية وتأثيرًا، فجهزتُ لافتتين وضعتهما مكان القديمتين، وعندما غضب زعتر صالحته بتعميرة من الصنف العالى، وأنوى فى خطوتى القادمة أن أخرج إلى الشارع العمومى، أنزع لافتاته وأضع لافتاتى بهدوء.


قال صديق لنا: وهل المسألة بهذه البساطة؟.. أى واحد ينزع اسم الشارع، ويضع لافتة باسمه ثم تتحول إلى أمر واقع.. أين تظننا نعيش؟ تغير وجه شوماخر، وقال: هل تظننى أكذب يا أستاذ؟.. أقسم لكم بصدق ما أقول، تعالوا لتروا بأنفسكم، إن مصر هى بلد الحريات، وأى انسان يستطيع أن يفعل أى شىء.. الجميع فى الأمان يا لللى، وإذا انتبه لك أحد بالمصادفة يمكنك أن تنفحه تعميرة أو تدعوه على سندوتش شيش طاووق! قال هذا ثم استطرد: «سأقول لكم سرًا لم أكن أنوى التصريح به الآن: إننى أضع خطة على مراحل للتوغل فى المدينة، وليس صعبًا أبدًا أن ترصدوا معدل سريان الغيبوبة وملاحظة آثارها بين الناس، وفى خلال فترة بسيطة سنكون قد وصلنا إلى الزمن السكافوللى، وأستطيع أن أضمن لكم أن المرء وقتها إذا صفع أحدًا على قفاه فى الشارع فلن يلتفت حتى بداعى الفضول ليرى مَن ضربه.. فى هذه الأثناء سأكون قد وصلت إلى شارع كلوت بك ومسمرت حوائطه باسمى، ثم سأقتحم التاريخ بالتقدم والوصول للمجد فى العتبة الخضراء، وسترون أقدم ميادين العاصمة وقد تحوّل بعون الله إلى ميدان شوماخر العنتبلى «العتبة سابقًا».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved