هموم مصرية لا صحة لجسد عليل النفس
ليلى إبراهيم شلبي
آخر تحديث:
الجمعة 22 مايو 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
تردد الحديث فى الأسابيع الماضية كثيرًا للمرة الأولى بقوة عن الصحة النفسية. للأسف فإن الغالبية العظمى من الشعب المصرى لا يعرف أهمية الصحة النفسية وأثرها على سلوك الإنسان وتفاصيل حياته اليومية: أتحدث هنا عن كل المصريين على وجه العموم ساكنى الريف وقاطنى الصعيد ومواطنى الواحبات ثم أولئك الذين يعيشون فى المدن الكبرى وعواصم المحافظات.
تختلف الهموم وتتنووع أسباب الضغط العصبى باختلاف الشخصيات والثقافات وتبعات الحياة الملزمة للرنسان لكن الأثر لا يختلف بأى حال فى كل المجتمعات ودون استثناءات.
الفلاح الذى ماتت «جاموسته» والصعيدى المطالب بثأر أبيع وسيدة المدينة العاقر وطالب الجامعة الذى فشل فى الالتحاق بالكلية التى تتوافق ومؤهلاته والرجل الذى تنتابه الشكوك فى زوجته، كلهم فى الهم سواء: مشاعر اكتئابية وشعور بالغضب وارتباك ذهنى وممارسات سلوكية لا تتفق وشخصياتهم التى اعتادها من حولهم.
أفعال متناثرة ورغبات مقهورة وأحلام مجهضة وآمال تحطمت.. كلها أحاسيس ومشاعر يكبل لها الإنسان الذى يعانى من الضغوط العصبية التى قد تستغرق لفترات قصيرة ثم تتلاشى أو تلك التى تسكن الإنسان لفترات طويلة ربما لا تنتهى فتلازمه ومعها ستمر تلك السلوكيات المبتورة التى تلتصق به فتحيل ملامحه النفسية إلى ملامح إنسان هزمته أيامه فسلبته القدرة على الفرح والبهجة وأورثته الهم والكآبة.
تختلف الحكايات فى وقائعها وتفاصيلها، لكنها تتفق جميعها فى الأثر على نفس الإنسان دون خلاف.
فى المجتمعات الأكثر تحضرًا ما زالت زيارة الطبيب النفسى فى بلادنا تعد رفاهية بل ما زال الكثيرون يعدونها عيبًا يخفونه إذا ما اضطروا إليها وعن قناعة.
أما مجتمعات الريف والصعيد والمجتمعات الشعبية فى المدن فإن مجرد اقتراحها بعد من قبيل السخرية أو الاتهام بالجنون.
إقناع عموم الإنسان فى بر مصر بأهمية الصحة النفسية أمر يبدو صعبًا للغاية، لكنه ليس بمستحيل على أصحاب الهمم.
أردت مشاركهم اليوم بعضًا من أفكار طبيب لأمراض القلب يؤمن بطب النفس، ويعلم أن لا صحة لجسد عليل النفس.
الصحة النفسية موضوع مهم وحيوى يجب أن ينتبه إليه كل من يمكنه الحديث فيه عن علم. يجب أن تتبنى كل وسائل الإعلام قضية، وأن يعرض بأساليب مختلفة ومستويات متدرجة، ليصل إلى عقول كل الناس ويرسخ فى الأذهان فكرة واضحة العالم عن المرض النفسى وأبعاده وعن الضغوط النفسية والعصبية والأمراض النفسجية، الإعلام الذى غرس فى عقول الشباب أن «عبده موتة» و«إبراهيم الأبيض» المثل الأعلى أظن قادرًا على غرس مبادئ أفضل وأقرب إلى الشخصية المصرية السوية.
لا أتحدث عن ضمير مجتمعى قادر على تحويل مسارات الوعى فى الوسط الفنى ومنتجين ومخرجين، ولا أنكر بالطبع دور الممثلين المجتهدين أصحاب الرسالات.
على الدولة أهم الأدوار فى الأمر: الرعاية النفسية، للمرضى والأصحاء معًا يجب أن يفسح لها مكان تستحقه عن جدارة فى برنامج التأمين الصحى الشامل.
الاهتمام بأحوال كوادر أطباء النفس سواء فى تأهيلهم للوفاء بمسئوليات العلاج النفسى الجسيم التى يدفعون ثمنها من سلامهم النفسى، ويعانون من الآثار المترتبة على استمرارهم فى المعاناة المشتركة لهم مع كل حالة يتصدون لعلاجها أيضًا فى ظروفهم وظروف عملهم التى أعلم جيدًا أنها صعبة.
تعد الاختبارات النفسية للمتقدمين لوظائف الدولة المهمة فى كل بلاد العالم تقليد لقياس كفاءة المتقدم للوظيفة ودعمًا لمرشح عن آخر. حتى رئيس الولايات المتحدة خضع دائمًا للاختبارات النفسية عند إعلان ترشحه، أرى فى هذا احترامًا كبيرًا له وللبلد الذى سيتولى مقاليد الحكم قيد ووضع سياساته الاستراتيجية.
لذا أتمنى لو كان شرطًا ملزمًا لاختيار الوزراء ومن يشغل المواقع المهمة فى كل دول العالم دون أدنى حساسية بل من موقع مسئولية الخضوع لاختبارات نفسية تؤيد صلاحيتهم لما هم مقبلون عليه من مهام.
حتى لا تتحول تلك النوعية من الجرائم الكارثية إلى اهتمام مجتمعى يومى: يجب أن يقتصر النشر على معلومات واضحة محددة للجريمة دون إضافات تلون الحدث بما لا يتفق مع وقائع الجريمة بل يقسم مجالًا للشائعات والأكاذيب. يجب أن يسمح فقط للمهنيين بالنشر فى صور واضحة صادقة مختصرة لا لهواة الثرثرة وإشاعة الرعب فى النفوس. هؤلاء يجب أن تحاسبهم الدولة فى محاكمات سريعة وناجزة.
اللهم هىء لنا رشاد النفس ويسر لنا سلامها وصحتها.