حرب ترامب المؤجلة لما بعد الحج
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 22 مايو 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
تعيش المنطقة حالة من الغموض الاستراتيجى غير المسبوق، تتقاطع فيها الحسابات الإسرائيلية والأمريكية مع متغيرات اقتصادية وعسكرية قد ترسم ملامح شرق أوسط جديد. فما كشف عنه المؤتمر الصحفى الغريب لدونالد ترامب يوم 20 مايو، الذى أعلن فيه تأجيل الهجوم العسكرى على إيران بناءً على طلب من ولى العهد السعودى وأمير قطر والشيخ محمد بن زايد، لم يكن مجرد مناورة دبلوماسية بل انعكاس لمأزق حقيقى.
• •
ترامب، الذى خرج فى صباح اليوم نفسه بتصريحات حادة على منصة «تروث سوشيال»، تحدث عن أن الوقت ينفد وأنه لن يتبقى شىء من إيران، قبل أن يعود لاحقًا ليعلن تأجيل التصعيد، مبررًا ذلك بأن قادة خليجيين طلبوا منه التريث لوجود فرصة كبيرة للتوصل إلى اتفاق. غير أن المعطيات تشير إلى عدم وجود أى تنسيق مسبق مع قادة الخليج عند اتخاذ قرار التصعيد فى نهاية فبراير، إذ اقتصر الإعداد على التنسيق مع نتنياهو وحده، ما يضعف فرضية الاستجابة للمطالب الخليجية. فى المقابل، تتصاعد مؤشرات على وجود خلاف «إعلامى» بين ترامب ونتنياهو بشأن مسار العودة إلى الحرب. فبينما يصوّر الإعلام الغربى ترامب على أنه يرى فى نتنياهو طرفًا يحاول دفعه نحو مواجهة عسكرية بناءً على تقديرات استخباراتية وُصفت بأنها غير واقعية، يبدو أن نتنياهو، فى ظل اقتراب انتخابات مبكرة وحاجته إلى تسويق إنجاز عسكرى لجمهوره، ما يزال يدفع نحو استئناف الحرب. ويبدو أن الإعلام الغربى يغفل حجم التآكل الذى تتعرض له مصداقيته نتيجة تداول مثل هذا الخلاف الذى لم يعد ينطوى على أساس.
وقد يكون تريث الإدارة الأمريكية عائدًا فى الحقيقة إلى أداء سوق السندات الأمريكية، الذى يُعد من أبرز مواطن الضغط على إدارة ترامب. ومع أى تصعيد عسكرى جديد فى الخليج، خاصة فى ظل تأثر إمدادات الطاقة واستمرار تحكم إيران فى حركة الدخول والخروج من مضيق هرمز، تتفاقم المخاوف من موجة تضخمية جديدة وضغط إضافى على أسعار الفائدة والنمو الاقتصادى. وتشير صحيفة الفايننشال تايمز إلى أن أسواق الطاقة ما تزال فى مرحلة الترقب، وأن جزءًا من الهدوء الحالى فى الأسواق المالية يعكس رهانات على احتواء التصعيد، أكثر من كونه استقرارًا فعليًا طويل الأمد.
• • •
فى المقابل، أفادت صحيفة النيويورك تايمز بأن إيران استغلت فترة الهدنة لاستعادة 70% من مخزونها الصاروخى ومنصات الإطلاق المتنقلة، وأعادت تشغيل 30 موقعًا صاروخيًا على طول مضيق هرمز من أصل 33، بينما لا تزال 90% من المنشآت الصاروخية تحت الأرض قابلة للاستخدام جزئيًا رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية. والأخطر أن الصحيفة نفسها كشفت عن أن إيران، بمساعدة روسية، باتت قادرة على توقع تحركات الطيران الأمريكى واستهداف طائرات إف-15 وإف-35.
فلو عادت الحرب، كما تلمّح التقديرات الإسرائيلية بأنها قد تعود بعد موسم الحج، فإن إيران لن تكرر تكتيكات الجولة السابقة. فقد أشارت النيويورك تايمز إلى أن إيران كانت قد خفضت ضرباتها الصاروخية فى أواخر الحرب السابقة لأنها كانت تستعد لمعركة طويلة الأمد، أما اليوم فهى مقتنعة بأن أى حرب مقبلة لن تتجاوز أسبوعين أو ثلاثة؛ ولذا ستستخدم ترسانتها الصاروخية الكاملة من اليوم الأول، مستهدفة بشكل خاص حقول النفط والبنية التحتية فى الخليج. كما تخطط إيران لإغلاق باب المندب أيضًا لتشتيت القوات الأمريكية بين جبهتين، ولأن المسافات القصيرة فى الخليج (300-500 كيلومتر) تجعل اختراق الدفاعات الجوية الخليجية أسهل بكثير من استهداف إسرائيل البعيدة 1500 كيلومتر. هذا بالإضافة إلى تهديدات إيران بقطع كابلات الإنترنت البحرية المارة عبر مضيق هرمز أو فرض رسوم عليها، لكن خبراء يستبعدون قدرتها التقنية على ذلك دون تكنولوجيا روسية أو صينية، وهو ما سيكون عملية محفوفة بالمخاطر ولها تداعيات خطيرة، لأن القوات الأميركية تعرف بدقة مسارات تلك الكابلات.
• • •
فى غضون ذلك، تحاول قطر وباكستان الوساطة لصياغة وثيقة تفاهم تجمّد الحرب، وتفتح المضيق، وتطلق الأموال الإيرانية المجمدة، لكن اللوبى الإسرائيلى يعمل فى الإعلام الأمريكى على تشويه صورة الوساطة الباكستانية، عبر نشر تقارير فى «وول ستريت جورنال» تطعن فى جدية إسلام آباد. وحتى لو تم الاتفاق، فإن نتنياهو لديه القدرة على تخريبه؛ فهو يتحكم فى مفاصل الحزب الجمهورى عبر اللوبى الموالى له فى واشنطن، وقد نجح بالفعل فى إقصاء بعض أعضاء الكونجرس غير الموالين لإسرائيل مثل النائب توماس ماسى الذى خسر فى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهورى فى ولاية كنتاكى، والدفع ببدائل موالية. وهو يريد استمرار حالة القتال لخدمة حظوظه الانتخابية، مهما كانت التكلفة التى يتكبدها الاقتصاد الأمريكى والخليجى.
أما المفاجأة فجاءت من النائبة السابقة مارجورى تايلور جرينى، التى كانت من أقرب حلفاء ترامب فى الحزب الجمهورى، والتى حذرته علنًا من أن شن عملية برية فى إيران سيؤدى إلى ثورة سياسية فى واشنطن، وقد يُشكّل تحالفًا من نواب الحزبين لعزله. هذا التحذير يعكس انقسامًا عميقًا حتى داخل معسكر «أمريكا أولًا» الذى كان يؤمن بأن ترامب سينهى الحروب لا أن يبدأها. وليس سرًا أن تصريحات ترامب المتناقضة «انتصارنا، استسلموا، فتحنا المضيق»، تُستغل للمضاربة على العقود الآجلة للنفط، حيث يحقق المقربون أرباحًا طائلة قُدرت بملايين الدولارات، وهو الأمر الذى يقع قيد التحقيق حاليًا من السلطات الأمريكية المعنية، وستكون له تبعات مستقبلية هائلة حال ثبوت العلاقة.
وسط كل هذا، يجد ترامب نفسه بين خيارين، أحلاهما مر: صفقة سلام غير موجودة، حيث يؤكد مسئولون أمريكيون أن الرد الإيرانى الأخير لم يكن مشجعًا، وإيران لا تزال متمسكة بشروطها، أو حرب مدمرة قد تسفر عن تعميق المكاسب الإيرانية وتزيد من تشددها. بل إن أسوأ السيناريوهات هو أن ينسحب ترامب فجأة من الحرب ويعلن انتصارًا وهميًا، ليتجه إلى نصف الكرة الغربى، محاولًا تحقيق إنجازات فى كوبا على غرار ما فعله فى فنزويلا. وهى مغامرات قد تنجح حيث فشلت حرب إيران، لأن العمق الاستراتيجى لأمريكا هناك لا يزال قويًا، ولن تؤثر على أسعار النفط أو السندات.
لكن هذا الانسحاب سيمثل هزيمة استراتيجية كبرى للولايات المتحدة، وسيترك الخليج يعتمد على نفسه، إذ أثبتت القواعد الأمريكية أنها غير قادرة على الحماية، وسيشترى الخليجيون السلاح دون ضمانات، بينما تخرج إيران من الحرب أقوى وأكثر تشددًا، لتُدير مضيق هرمز بمسارات تحددها هى وبعضها ملغم، فارضة رسومًا على السفن حسب الجنسية والامتيازات الدبلوماسية. الفارق الجوهرى أن الحرب المقبلة، حتى لو تأجلت أيامًا أو أسابيع، لن تكون كسابقتها؛ فإيران مستعدة لاستقبالها بترسانة كاملة، وترامب يدرك أنه خسرها بالفعل قبل أن تبدأ. السؤال الآن: هل ينتهز فرصة الانسحاب بأقل الخسائر أم يغامر بجولة جديدة يجرّه إليها نتنياهو، ليزيد الطين بلة ويعجّل بخروج أميركا من الشرق الأوسط؟
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية