ثمن ماسبيرو
شريف عامر
آخر تحديث:
الإثنين 22 يونيو 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
طرقات مزدحمة تؤدى إلى استوديو ١٢ فى الدور الثالث من ماسبيرو، ومجموعة من الشباب يملكون رغبة وقدرا ما من الموهبة، ينتمون للطبقة المتوسطة والمتوسطة العليا، ويستقبلهم بعد اختيارهم سيدى وأستاذى البنّاء العظيم فى تاريخ الإعلام المصرى الأستاذ حسن حامد.
منحهم الرجل فرصة للنمو والتطور على يد كبار آخرين شاركوه الرؤية.
لا هو حصل على مقابل مادى يلائم ما بذل من جهد و طاقة، ولا الشباب حصلوا على ما يتناسب مع أقل احتياج لمن هم فى بداية الرحلة.
ولأن عينه كانت على زوايا الكاميرات الإخراجية، وعلى أساليب الإدارة منذ اللحظات الأولى، ذكرنى رفيق الدرب المشترك محمد عبد المتعال خلال نقاش بيننا لا يتوقف عن ما سبق من أيام وما نعيشه الآن، ذكرنى بواحد من أهم المبادئ التى زرعها الاستاذ حسن عندما تحمل مسئولية التحديث وتقديم الخدمات الإعلامية الجديدة:
«أستاذ حسن لما بدأ قناة النيل الدولية، اختار كل العناصر جديدة. مخرجين، ومحررين، ومذيعين ومذيعات. حتى قطاع الهندسة الإذاعية الذى يقف عليه كل قطاع وقناة، طلب أن يكون منتدبا منه شبابا جددا».
لهذا السبب، وغيره أسباب كثيرة تميزت التجربة. نقلت القنوات الدولية ما أنتجته هذه المواهب الشابة من تغطيات فى السراء والضراء.
نقلت شبكات العالم تغطية النيل للأخبار لتفاصيل حادث طائرة نيويورك الأليم، كما نقلت من قناة النيل الدولية صورا وتغطية أوبرا عايدة عندما خرجت من البر الغربى فى الأقصر.
كنا على هذا الطريق نستند إلى أسماء أعلام العمل التليفزيونى. نتلقى تدريبا على أيدى أفضل من قدم نشرة أخبار باللغة الإنجليزية أستاذنا محمد إسلام، وعند تكرار التجربة فى قناة النيل للأخبار، ساندنا أول من رحب بجمهور المشاهدين عند انطلاق التليفزيون العربى (كما هو اسمه الرسمى لحظة التأسيس) الأستاذ صلاح زكى، ومعه الرائد العظيم أستاذى عبد الوهاب قتايه.
لم نبدأ من العدم، بل وقفنا على أرض ثابتة من المعرفة والثقافة التى لم نعرفها فى صفوف الفصول المدرسية.
استندنا ــ كما كل المصريين ــ إلى إرث فريد من الثقافة، والفنون، والانفتاح على العالم كما عرفناه. سمعنا مسرحيات عالمية يقدمها البرنامج الثقافى عبر الإذاعة.
جمعت إذاعة القرآن الكريم المصرية لأول مرة فى تاريخ العالمين العربى والإسلامى القرآن الكريم مسجلا مرتلا ومجودا بأصوات الخالدين.
عبر البرنامج العام أو الشرق الأوسط، أو صوت العرب ، سمعنا صوت مشيرة نجيب، ومديحة نجيب، وطاهر أبوزيد، وصفية المهندس، وحسن شمس (عمو حسن)، وسناء منصور، وإيناس جوهر، وكثيرين وكثيرات من الكبار.
راقبنا أداء الرصين المحبوب محمود سلطان يسرد لنا أحداث العالم فى نشرة التاسعة. تجولت بنا كاميرا هند أبو السعود، وعرفنا العلم والفلسفة من رجل شاركنا أفكاره العميقة وهو مصطفى محمود.
علمتنا رتيبة الحفنى تذوق الموسيقى العربية، وتعرفنا على الغربية من عالم غنى لنا مع حمدية حمدى. رأينا أفضل وأكبر شعراء وأدباء مصر يناقشهم فاروق شوشة. تابعنا أعمالا درامية أسكتت ضوضاء شوارع القاهرة، والرياض، وعمان، والرباط، وما بينهم، بأسماء لم يخفت نجمها أو بريقها منذ لمعت عبر شاشات ماسبيرو وإذاعاته.
هل أسترسل أكثر فى ذكر أفضال هذا المبنى العظيم، أم أكتفى مع سماع صوت خاطر يحذرنى بأن كل ما أقوله مجرد رومانسية بالية لا طائل منها، ولا قيمة لها؟
هل أذكر أسماء كل نجم سطع عبر كاميرا فى استوديوهات وشاشات هذا المبنى، وتحول إلى أسطورة عبر لونه الفنى فى كل عاصمة عربية، أم أنه لا داعى لاجترار ماض يبدو اليوم بعيدا مع سبق الإصرار والترصد.
• • •
عموما، هذه أسئلة حسمها كل مجتمع يقدر قيمة هويته وثقافته.
لا يسأل رجل أعمال أو مستثمر بريطانى عن قيمة مبنى الإذاعة البريطانية القديم الذى بقى إرثا شاهدا على أهم التجارب الإعلامية فى العالم الغربى.
لا يسأل رجال أعمال أمريكيون رغم شراهتهم المعروفة للمال عن قيمة شبكة الخدمة العامة الأمريكية.
لا يوجد فى أى دولة على اتساع الخريطة، إعلام خدمة عامة إلا ويعانى ماليا، أو يغطى نفقاته بالكاد.
إعلام الخدمة العامة لا يهدف إلى الربح، وإنما هى شاشات وإذاعات، ومعها اليوم منصات إلكترونية وحسابات تواصل، ومواقع، تنقل للمواطن ما لا تنقله الوسائل الإعلامية الخاصة.
فيلم وثائقى أو برنامج متميز، أو عمل درامى له جانب وزاوية مختلفة.
لم يعلن رجل أعمال سخطه عليها لأنه لا أحد يشاهدها، أو اعتبرها إهدارا للمال العام، بل تبرع لها كى يساهم فى تحديثها و نشر إنتاجها عبر منصات العالم فى عصره الجديد. القانون الأمريكى يمنح مثلا للخدمة العامة التليفزيونية والإذاعية حق تنظيم حملات للتبرع من المواطنين، على أن يقابل كل دولار تبرع منهم، دولار من الموازنة الفيدرالية.
لم يشكك إمبراطور مالى فى أثر ما قدمته هذه المؤسسات، بل حاول كثيرون منهم التبرع لها من باب شراء شرف الانتساب لعراقة يفتقدونها، وثقافة لم يلحقوا بها.
قد تختلف الأدوات، وتفرض الأيام جديدها، لكن ثقافة المجتمعات ماضيا وحاضرا ومستقبلا، لا ثمن لها.
أصفار الأموال الستة والتسعة، أو حتى ما يزيد، ستبقى أصفارا فى خانات لا تعنى لصاحبها شيئا أو قيمة أكثر مما يشترى ويبيع، لكنها لن تشترى له زمنا ولا سيرة.
ستتبخر كل الأصفار، ولن يمكن وضع سعر أو ثمن على مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصرى.
سيبقى مثل أقدم الأنهار الذى يطل عليه، ومثل الاسم الذى اشتهر به للعالم الفرنسى ماسبيرو مؤسس أول بيت للحضارة المصرية فى ميدان التحرير. وستبقى معه أسماء شخصيات وأعمال مبدعين وفنانين وصحفيين غائرة أو بارزة، ثابتة وراسخة، ولو أهال عليها صاحب أكبر معدات الحفر أمتارا من التراب.