كأس العالم لكرة القدم 2026.. الرياضة والسياسة

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 22 يوليه 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

بعد أن طويت بشكل نهائى صفحة مسابقة كأس العالم لكرة القدم لعام 2026 انتظارًا لدورة جديدة منه تقام بعد أربع سنوات، وبعد استضافة جماعية من جانب ثلاث دول بشكل مشترك للمسابقة وهى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وبتنظيم من الاتحاد الدولى لكرة القدم (الفيفا)، بالتعاون مع عدد كبير من الرعاة والشركاء، ولأول مرة فى تاريخ البطولة بمشاركة عدد غير مسبوق من الدول بلغ 48 دولة، وهو عدد يوجد احتمال بأن يكون مرشحًا للزيادة إلى 64 دولة فى كأس العالم القادمة، بحسب تصريحات لرئيس «الفيفا» السويسرى «جيانى إنفانتينو».
ومنذ ما قبل انطلاق المسابقة الأخيرة، وخلال فعالياتها، لم يهدأ السجال حول العديد من الموضوعات المتصلة بكأس العالم ولكنها ليست بالضرورة من صميم مسائل كرة القدم أو الرياضة بشكل عام، حسب التعريف التقليدى للرياضة ولكرة القدم. وربما كان من أهم الموضوعات التى دار حولها الجدل، ولا يزال، مسائل متصلة بالسياسة وأخرى متصلة بالعديد من مجالات الاقتصاد، مثل التمويل والتسويق والإعلانات وتعظيم المكاسب المادية والعوائد التجارية والمنافع الاقتصادية، وسوف نركز فى هذا المقال على ما يتعلق بالأمور ذات الطابع السياسى.
وعلى الرغم مما ذكره البعض أن كأس العالم الأخيرة لكرة القدم كشفت زيف ما يقال أحيانًا عن الفصل بين الرياضة والسياسة، فللحقيقة والإنصاف، هذا الاكتشاف قديم جدًا، والرياضة بشكل عام، بما فيها كرة القدم، كثيرًا ما تدخلت فيها اعتبارات السياسة، أو وجهتها بما يخدم أغراضها، أو أن الرياضة وكرة القدم قبلتا خاضعين بالعمل لغايات سياسية وأهداف أيديولوجية والترويج لنماذج فكرية بعينها، سواء كان ذلك فى التاريخ القديم أو الوسيط أو الحديث أو المعاصر للبشرية.
ومن الأمثلة البارزة فى القرن العشرين، استغلال الزعيم الفاشى الإيطالى «موسولينى» لاستضافة إيطاليا لكأس العالم لكرة القدم فى عام 1934 ثم استغلال الزعيم النازى الألمانى «هتلر» لاستضافة ألمانيا للأولمبياد فى عام 1936، من أجل الترويج للأيديولوجيتين الفاشية والنازية وللنموذج العقائدى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى الذى كانا يمثلانه، فى حالة استغلال صارخ من جانب الأيديولوجية والسياسة للرياضة عمومًا، ولكرة القدم على وجه الخصوص.
وخلال الحرب الباردة بين المعسكرين الغربى الرأسمالى بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والشرقى الشيوعى بزعامة الاتحاد السوفيتى السابق ما بين ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتفكك وانهيار الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية فى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، كان هناك حرص لدى كل من الطرفين على العمل على تحقيق كل طرف التفوق الرياضى على الطرف الآخر وإبراز ذلك ليس باعتباره نتيجة جهود فى المجال الرياضى فقط، بل كنتيجة لكون الرياضة جزءًا من منظومة عقائدية وسياسية متكاملة ناجحة ومتفوقة على منافستها، وقد شاهدنا ذلك بوضوح فى التنافس المحموم لحسم أكبر قدر من الميداليات الذهبية فى الدورات المتتالية للأولمبياد فى كل الألعاب الرياضية خلال تلك الحقبة، حيث نجحت الدول الشيوعية أحيانًا فى التفوق بينما تفوقت الدول الرأسمالية فى أحيان أخرى، أما فى دورات كأس العالم لكرة القدم، فإن الدخول المتأخر وعلى استحياء لكرة القدم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، جعل التنافس محصورًا بين الدول الأوروبية بجناحيها الغربى والشرقى، مع تدخل قوى ومؤثر وفعال فى هذا التنافس من جانب بعض البلدان من العالم الثالث، وتحديدًا من أمريكا اللاتينية فى بعض الأحيان، وبينما حققت بعض بلدان أوروبا الشرقية مراكز متقدمة فى بعض دورات كأس العالم لكرة القدم، فإن البلدان الأوروبية الغربية كانت تتقاسم لقب البطولة مع بلدان أمريكا اللاتينية.
إلا أنه لا شك فى أن كأس العالم الذى انتهت فعالياته منذ أيام قليلة ربما كان غير مسبوق فى كم وعمق المسائل السياسية المتصلة به، أو التى أثيرت حوله، منذ ما قبل انطلاقه وحتى لحظاته الأخيرة.
فقبل بدء المباريات أثيرت مجموعات مختلفة من الموضوعات السياسية، واستمعنا إلى وجهات نظر مختلفة، كل منها تعبر عن رؤية كل طرف من الأطراف المعنية مباشرة، أو بشكل غير مباشر، بهذه الحالات، سواء تم التعبير عنها فى وسائل الإعلام التقليدية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعى الذائعة الانتشار.
وكانت أول مجموعة من المسائل التى أثيرت وأخذت طابعًا سياسيًا هى ما تعرضت له بعض المنتخبات الإفريقية وأحد الحكام الأفارقة المشاركين فى فعاليات كأس العالم الأخير، كان من ضمنها التفتيش الذى وصف بأنه مبالغ فيه لأفراد بعثة المنتخب السنغالى لكرة القدم، لدى دخولهم الأراضى الأمريكية قادمين من بلدهم، وكذلك تأخير منح تأشيرة الدخول الأمريكية لعدد من أفراد بعثة منتخب الكونغو الديمقراطية، وأيضًا حجب تأشيرة الدخول عن حكم صومالى مرشح من قبل الفيفا للقيام بالتحكيم فى المباريات الرسمية للبطولة، وهو واحد من أبرز حكام أفريقيا، فمن وجهة نظر المنتقدين لهذه الإجراءات، كان الاتهام، سواء الصريح أو الضمنى، بأن هذه التصرفات تنم عن قدر من التمييز قائم على أساس ألوان بشرة من تعرضوا لهذه الإجراءات، وبالمقابل، هناك أصوات دافعت عن تصرفات الجانب الحكومى الأمريكى بأن المبررات لهذه الإجراءات كانت تكمن فى اعتبارات أمنية وفى إطار منظومة متزايدة من الإجراءات الأمنية، بما يشمل "مكافحة الإرهاب"، تبنتها السلطات الأمريكية منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001 التى طالت الأراضى الأمريكية، وباعتبار أن ذلك يصب أيضًا لحماية المشاركين فى فعاليات كأس العالم الأخيرة من منتخبات وحكام وإداريين وغيرهم من الأمريكيين ومن مختلف الجنسيات الأخرى.
أما المجموعة الثانية من الإجراءات ذات الطابع السياسى التى جرت فى الولايات المتحدة الأمريكية اتصالًا بكأس العالم الأخيرة، فهى تلك الإجراءات المقيدة لتحركات المنتخب الإيرانى المشارك، من حيث عدم السماح له بالمبيت فى الأراضى الأمريكية وتقييد العدد المسموح له بدخول الأراضى الأمريكية، وهو ما أثر بشكل خاص على الجهازين الإدارى والطبى المرافقين للمنتخب الإيرانى، وهو الأمر الذى أثار انتقادات واسعة من الجانب الإيرانى، ليس فقط فى مواجهة الطرف الأمريكى المضيف، بل وتجاه الفيفا وقيادته، وفى هذه الحالة لم تخرج ردود فعل مباشرة أو ردود من الجانب الأمريكى، إلا أن البعض برر هذه الإجراءات من الناحية القانونية فى ضوء وجود حالة عداء حالية وأعمال عسكرية متبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وامتد الأمر إلى اتهامات إيرانية للتحكيم فى مباريات منتخبهم فى دور المجموعات بالتحيز ضد منتخبهم وتعمد إخراجه وإقصائه كى لا يتأهل للوصول إلى الأدوار التالية.
وننتقل إلى مجموعة ثالثة من عوامل قام البعض بتفسيرها بأن بها شبهة تحيز له خلفية سياسية، وكان منها على سبيل المثال ما أثير واستمر حتى المباراة النهائية لكأس العالم الأخير بشأن وجود تخطيط لدى قيادة الفيفا، وربما بالتواطؤ مع أطراف أخرى، لتنتهى المسابقة بفوز منتخب معين بها، والمقصود هنا هو بالطبع منتخب الأرجنتين، إلا أن هزيمة هذا المنتخب فى المباراة النهائية للبطولة أثار العديد من الشكوك بشأن مدى جدية هذه الاتهامات.
أما آخر، وربما أبرز، الحالات التى تعرضت للوصف بالتسييس فى كأس العالم الأخير، فكانت مطالبة الرئيس الأمريكى من رئيس الفيفا بإلغاء «كارت أحمر» حصل عليه مهاجم المنتخب الأمريكى وكان سيحول بينه وبين مشاركته فى المباراة التالية أمام منتخب بلجيكا، وفوجئ العالم بإحالة الطلب من رئيس الفيفا إلى لجنة المسابقات فى الفيفا وبسرعة موافقتها على الطلب فى حالة ليس لها سوابق على الإطلاق وإن كانت مشاركة هذا المهاجم لم تفلح فى الحيلولة دون تعرض المنتخب الأمريكى للهزيمة وخروجه من دور الـ 16 لكأس العالم ووداع البطولة على أرضه ووسط جماهيره.
وهكذا نرى أنه ربما كانت هناك حالات واضحة للمزج بين السياسة والرياضة فى مباريات كأس العالم الأخرى، بل ويصف البعض بعضها بأنها صارخة، إلا أنه فى حقيقة الأمر فإن تداخل السياسة والرياضة، وبشكل أكثر تحديدًا تدخل السياسة فى الرياضة، بما فيها كرة القدم، هو نهج قديم ومتواصل، قد تتغير صوره وأشكاله، وقد يتباين حجمه ونطاقه وعمقه، ولكنه موجود معنا منذ نشأة الرياضة ومنذ نشأة كرة القدم، وليس هناك ما يدعونا لتوقع توقفه أو انتهائه فى المستقبل القريب أو البعيد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved