كيف يمكن للاجئين تعزيز الاقتصاد؟

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الإثنين 22 أغسطس 2016 - 9:10 م بتوقيت القاهرة

يتلقى اللاجئون حول العالم، فضلا عن اعتبارهم تهديدات أمنية، اللوم على إضعاف الموارد العامة وسرقة الوظائف. لكن بعض الاقتصاديين الآن يقلبون تلك الافتراضات رأسا على عقب. إذ لا يعتبر ترك اللاجئين ليموتوا فى البحر أو أن يقبعوا فى مخيمات أمرا مشجوبا أخلاقيا فحسب، ولكنه أيضا ليس فى مصلحة أحد اقتصاديا، طبقا للنقاش.
وتعتبر الدول العربية فى طليعة النقاش حول أفضل السبل للتعامل مع تدفق اللاجئين.
قال ستيفان ديركون، كبير الاقتصاديين فى وزارة التنمية الدولية البريطانية، «فى الواقع، يجرى الأردن ولبنان اختبارا للحالات على المستوى الدولى لمعرفة إذا ما كان فى إمكاننا القيام بذلك بشكل أفضل مما قمنا به فى الماضى. وجاء كلام ديركون فى ندوة عقدت فى يونيو بعنوان «نحو مستقبل أفضل لسوريا ولبنان» باستضافة معهد عصام فارس للسياسات العامة والشئون الدولية فى الجامعة الأمريكية فى بيروت.
يشكل السوريون أكبر مجموعة منفردة بين مجموع اللاجئين فى العالم والذين يقدر عددهم بـ 22 مليون لاجئ. وعلى الرغم من أن الرأى العام الغربى بدأ يركز على أزمة اللاجئين السوريين عام 2015، عندما بدأت أعداد قياسية منهم فى الوصول إلى أوروبا، فإن اللاجئين السوريين قد فروا بالفعل قبل ذلك بالملايين إلى بلدان أخرى فى المنطقة. حيث إن واحدا من كل 30 شخصا فى تركيا هو لاجئ سورى، وواحدا من كل عشرة أشخاص فى الأردن، وواحدا من كل أربعة أشخاص فى لبنان.
ينبغى على البلدان المضيفة تقبل فكرة أن اللاجئين سيبقون هناك لسنوات عديدة، كما يقول ديركون حيث إن «النموذج الإنسانى التقليدى لم يعد صالحا للعمل بعد الآن». فتوفير المساعدات الأساسية للاجئين فى الوقت الذى لا يسمح لهم بالاندماج والعمل، يغذى الإحباط فى صفوف اللاجئين والاستياء من جانب المجتمعات المحلية المحيطة والتى غالبا ما تكون بالكاد أفضل منهم حالا، بحسب ديركون.
عوضا عن ذلك، يدعو ديركون إلى فتح سوق العمل أمام السوريين مع توفير المزيد من فرص التعليم وريادة المشاريع للجميع. ويواصل القول بأن ذلك سيكون من مصلحة لبنان أيضا. حيث يمكن للبنان أن يستفيد من العمال السوريين المهرة وغير المهرة، كما يقول. ويمكن له الاستفادة من الشركات السورية الساعية للانتقال وكسب التأييد الدولى لدعم الاقتصاد اللبنانى والبنية التحتية الاجتماعية. يتعين على الساسة اللبنانيين إيجاد حوافز للاستثمار فى القطاعات ذات العمالة الكثيفة والنظر «لوضع اللاجئين على أنه فرصة لتعزيز إعادة تشغيل الاقتصاد، وخلق فرص عمل للسوريين واللبنانيين على حد سواء».
وبالمثل، يقول ديركون إن منظمات الإغاثة الدولية تحتاج لتوسيع نطاق تركيزها إلى أبعد من اللاجئين لتشمل المجتمعات التى يعيشون فيها.
***
ربما تكون الحكومات العربية متشككة حيال الخبراء الغربيين الذين يقولون بأن عليهم استيعاب ملايين اللاجئين السوريين فى اقتصادات تعانى أصلا من ارتفاع معدلات البطالة. مع ذلك، فإن نصائح مماثلة يجرى تقديمها للدول الأوروبية.
ويشير تقرير جديد، يصف نفسه بأنه «أول دراسة دولية شاملة للسبل التى يمكن للاجئين من خلالها المساهمة فى الاقتصادات المتقدمة»، إلى أن «اعتبار اللاجئين عبئا اقتصاديا هو فكرة خاطئة».
كما نشرت منظمة تينت Tent Foundation، وهى منظمة أمريكية غير ربحية تكرس عملها لمساعدة النازحين، تقريرا بعنوان «عمل اللاجئين: استثمار إنسانى يحقق مكاسب اقتصادية».
يقول المؤلف الرئيسى للتقرير، الخبير الاقتصادى فيليب ليجرين، إن اللاجئين غير المهرة يتقاضون الرواتب الأكثر تواضعا ويقبلون بالوظائف الأقل طلبا. كما يساهم اللاجئون المهرة، كما يقول، فى إثراء الاقتصاد بقدراتهم وابتكاراتهم. ويمكن لهم أيضا مساعدة بلدانهم من خلال الأموال التى يرسلونها إلى الوطن.
ويستند التقرير إلى إحصائيات صندوق النقد الدولى ويستشهد بدراسات مختلفة عن الأثر الاقتصادى للاجئين نشرت من قبل أكاديميين من جميع أنحاء العالم. ووفقا لحسابات التقرير فإن «فى إمكان استثمار يورو واحد لمساعدة اللاجئين أن يحقق 2 يورو كمنافع اقتصادية فى غضون خمس سنوات»، ويشير التقرير إلى أن العديد من مجتمعات اللاجئين تندمج بشكل جيد فى الغرب، وأن لديهم معدلات بطالة أقل من المواطنين المولودين هناك. حيث يكلف «إعداد طبيب لاجئ لممارسة المهنة فى المملكة المتحدة 35.750 دولار أمريكى فقط مقابل أكثر من 357.500 دولار أمريكى لإعداد طبيب بريطانى جديد».
***
ووفقا لحسابات ستيفان ديركون فإن نصف المواطنين الأكثر تعليما فى سوريا قد فروا من البلاد. ومن المرجح جدا ألا يعود أولئك الذين نجحوا فى الوصول إلى أوروبا إلى سوريا أبدا، بحسب ديكرون. ويمثل أولئك الذين استقروا فى البلدان المجاورة أفضل فرصة لإعادة بناء سوريا فى نهاية المطاف.
قال يانيك دو بونت، مدير سبارك SPARK، وهى منظمة غير حكومية مقرها أمستردام تقوم بتمويل برامج تعليمية للاجئين السوريين، إن منظمته قررت «توجيه كل شىء نحو إعادة بناء المستقبل»، وتمول سبارك منحا دراسية فى مجالات من قبيل البناء، والهندسة، وبرمجة الكمبيوتر، والزراعة، والصحة، والتعليم. وتسعى المنظمة أيضا لتدريب فنيى الكهرباء «كهربائيين»، والسباكين، وفنيين آخرين. وهذه هى المجالات التى يمكن أن «تتواجد فيها فرص للعثور على وظيفة بنسبة 90 فى المائة ما أن يعم السلام»، بحسب دو بونت. كما إنها فى العموم مجالات تتوافر على فرص عمل فى البلدان التى يتواجد فيها اللاجئون فى الوقت الراهن.
ففى لبنان، البلد الذى يمتلك دولة ضعيفة، وتوازنا طائفيا هشا، وتاريخا من حرب أهلية، فإن هنالك ترددا سياسيا كبيرا فى الاعتراف بأن المليون سورى المتواجدين هناك هم الآن وبشكل شبه دائم جزء من المعادلة الاقتصادية.
يقول دو بونت، «إنهم هناك الآن، فكيف ستقوم بالتعامل معهم؟ لا يمكنكم إعادتهم عبر الحدود. فما هى الخطوة التالية إذن؟ هكذا يقول المنطق من الناحية الاقتصادية، وأيضا من الناحية الأمنية. حيث تملى المواقف الواقعية الخيارات التى يمتلكها السياسيون والمجتمعات. عليك أن تسعى لتحقيق الأفضل من خلال الوضع الرهيب الذى يتواجد الجميع فيه».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved