من السياسة إلى الدين إلى الفن إلى الرياضة.. خطوط مصر الحمراء
أحمد عبد ربه
آخر تحديث:
السبت 22 أغسطس 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
أدّعى أننا لو حاولنا عدّ «الخطوط الحمراء» التى أصبحت تُفرض علينا فرضًا، لربما فشلنا فى إحصائها، فلم تعد هذه الخطوط الحمراء ترهب من يحاول أن يتحدث عن الشأن السياسى فقط، ولكنها انتقلت من مساحة السياسة إلى مساحة الدين، ومنها إلى الفن، ثم كانت الموضة الأحدث وقت كأس العالم، حينما أصبح الشأن الرياضى – والذى لطالما صمد لسنوات أمام الخطوط الحمراء على اعتبار أنه متنفس لعامة الناس – هو أيضًا له خطوط حمراء!
لم يعد الموضوع مجرد حالة شاذة أو استثنائية، كما أنه لم يعد له علاقة بأمور من قبيل أسرار الدولة، كالمعلومات العسكرية أو غيرها من شئون الدفاع والأمن القومى التى قد تعرض البلاد للخطر، ولكنها أصبحت ظاهرة تزداد كل يوم فى حياتنا، فاعتبر كل فصيل نفسه فى مهمة قومية متخيلة لحماية البلاد والعباد من الخطر، ومن ثم أصبح يجتهد فى رسم هذا الخط الأحمر، مهددًا ومتوعدًا من يتجاوزه بالحبس وسوء المصير.
* • •
كانت المساحة السياسية – وما زالت – هى أم المحرمات، فهى مساحة بقدر إغوائها للمهتمين بالكتابة العامة، بقدر ما تعرضهم للخطر، فكلمة واحدة غير محسوبة أو لم تَرُق لمسئول قد تعرضك لخطر الحبس أو فقدان الوظيفة، ولو كنت محظوظًا فعلى الأقل ستمنعك من الكتابة العامة لفترة، وقد تختار أن تسكت تمامًا إيثارًا للسلامة وتربية العيال وأكل العيش!
ثم بالتوازى، جاءت المساحات الدينية هى الأخرى لتعلن خطوطها الحمراء، على اعتبار أنه إن كان من خطوط حمراء تمنعك من انتقاد الحكام، فمن باب أولى أن توجد خطوط حمراء تمنعك من انتقاد الخالق! طبعًا معظم الانتقادات فى الساحة الدينية – إن وجدت – فهى ليست للخالق، ولكنها للمخلوق الذى يدّعى أنه المتحدث الحصرى باسم الخالق! فهذا يُحبس لأنه انتقد شيخ الأزهر، وذلك يُحبس لأنه انتقد الأنبا فلان أو الكاهن علان، وهذا يتم تهديده إن لم «يلايمها» ويتوقف عن طرح الأمور الحساسة، منعًا للفتنة، لعنة الله على من يوقظها، ولا تجادل يا أخا، على!
وبعد فرض الخطوط الحمراء على مساحتى السياسة والدين للدرجة التى جعلت ليالى المتعدين عليهما حمراء أيضًا، انتقلنا إلى مساحة الفن، فلم لا؟ هذا شكك فى الميول الجنسية للمطربة الفلانية، وهذا سمح لنفسه بأن يتحدث عن علاقة زواج مؤقت بين المطرب الفلانى والفنانة العلانية، وورثة الفنان فلان يتوعدون من ينتقده بالجرجرة للمحاكم، ونقيب الممثلين يدخل بدوره على الخط ليقول إن «فنانى مصر خط أحمر»، وإياكم أن تعتقدوا أنهم بلا نقابة قوية تحميهم!
كان المواطن المصرى مع المساحة الرياضية أكثر حظًا، فقد كانت الأخيرة شديدة التسامح حتى وقت قريب، وكان البعض يفسر ذلك تفسيرًا منطقيًا، فطالما أن الخطوط الحمراء فى باقى المساحات قد كتمت على صدر المواطن ولم تعد تسمح له بالتنفس، فمن الذكاء والدهاء والحكمة أن يُسمح لهذا الغلبان بمتنفس يفرغ فيه طاقة غضبه، ويعوض حالة التحريم فى باقى المساحات بالتنفيس فى الرياضة بلا خسائر تُذكر لأى طرف! لكن حتى تلك المساحة تحولت تدريجيًا إلى فخ للمواطن، فأصبح بعض رؤساء الأندية من المقدسات الوطنية التى لا يجوز المساس بها، بل وأصبح أداء الفريق الأول لكرة القدم
والمدير الفنى وشقيقه وكل أعضاء الجهاز الفنى من المحرمات التى لا يجوز انتقادها، ثم تحولت الساحة الإعلامية الرياضية إلى مساحات للتهديد والوعيد بـ«الجرجرة» لساحات المحاكم بدلًا من أن تكون مساحة للتحليل الكروى والمتعة البصرية!
• ••
بل ورأينا المحامى الفلانى ينصب نفسه حاميًا لأخلاق المجتمع ولقيم الأسرة المصرية (التى لا أعلم حتى لحظة كتابة هذه السطور ما هى بالضبط)، ويرفع قضايا على القاصى والدانى، ثم وجدنا تصريحات تُنسب لبعض المحامين بأنهم سينتفضون لمهنتهم إن حاول البعض تهديدها، حتى لو كان هذا التهديد من محامٍ زميل لكنه لا يلبس زيًا مناسبًا، أو يعبّر عن رأيه فى قضية من القضايا!
بل وحتى أساتذة الجامعات جاءت لبعضهم عدوى الخطوط الحمراء، فمنذ فترة كان هناك مسلسل كوميدى يتناول حياة أستاذ جامعى فاسد، فإذا بأحد أساتذة الجامعات ينادى برفع قضية على البطل والمخرج والمؤلف تحت دعوى «إهانة أساتذة الجامعات»، وكأن أساتذة الجامعات ملائكة لا يخطئون! وهكذا يفعل المثقفون والكتاب، والإعلاميون، وباقى فئات المجتمع التى أصبحت ترفع المبدأ الشهير «إشمعنى هؤلاء لديهم خطوط حمراء ونحن لا»!
إن مشكلة المبالغة فى رسم الخطوط الحمراء ليست فقط فى مسألة خنق الحريات، ولكنها أيضًا تمتد إلى أضرار أخرى تتمثل فى القضاء على الإبداع، وتقود إلى عملية نفاق جماعى رأيناها ونراها كثيرًا، عملًا بالمثل المصرى الشعبى الشهير: «اربط الحمار مطرح ما يحبه صاحب الحمار»!
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر