من سرق الوقت؟

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: السبت 22 أغسطس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

 

يذهب بعض المفكرين إلى أن صراع البشر الأساسى طوال التاريخ تمثل فى فكرة النزاع على الوقت، بمعنى أن هناك طبقات تشكلت دائمًا وفى مختلف المراحل كان هدفها الأساسى الاستمتاع بالوقت واستثماره فى الراحة والنزهة، ولذلك هيمنت على طبقات أخرى استهلكت وقتها بأكمله فى العمل لتحقق فوائض اقتصادية تعود بالربح على الطبقات الأعلى، واستمر هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين، حيث تصور لنا أدبيات عدة أوضاعًا مزرية لطبقة العمال والكادحين خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن الماضى.

منذ ما يقرب من سبعة عقود، ومع نشأة دول الرفاه والرعاية الاجتماعية، وتشكل طبقات وسطى واسعة الشرائح، بدأ الكثيرون من البشر يستمتعون بوقتهم، بات هناك المزيد من الوقت المخصص للراحة والسفر ولمختلف أنشطة الحياة، ولكن مع التكنولوجيا الحديثة وخلال الربع قرن الأخير بات معظم البشر يتذمرون مرة أخرى، فالوقت مضغوط للغاية ولم يعد هناك أى فسحة متاحة لنا لكى نستمتع.

المفارقة هنا أن الوقت قد سُرق منا فى عصر التكنولوجيا فائقة الحداثة التى كان من المفترض أن توفره لنا، لنتذكر فى الماضى أن كل شىء كنا نفعله كان يستغرق وقتًا أطول، فإذا كنت باحثًا عن المعلومات أو دارسًا فى الجامعة أو الدراسات العليا، كنت تُخصص شهورًا طويلة فى البحث عن المراجع التى تحتاجها فى دراستك، وإذا كنت من هواة القراءة، كانت هناك فترات طويلة تستغرقها فى البحث عن الكتب. الآن المعلومات متوافرة بـ«كبسة زر»، ومع ذلك كانت الرسائل العلمية فى الماضى تأخذ مدة أقل وتخرج بنتائج أكثر جودة، وقرّاء الماضى كانوا أكثر شغفًا بالكتب وأكثر ثقافة من قرّاء الراهن.

إذا تركنا تلك الأنشطة النخبوية، ونزلنا إلى الأرض قليلًا، فسنلاحظ أن أفعالنا فى الماضى كانت تأخذ وقتًا أطول، كنا نذهب للتسوق فنمشى لمسافات طويلة فى أسواق عدة، وكان لكل نوعية معينة من السلع أحد الأسواق المخصصة لها، وكانت بعض الأسواق تعمل فى أيام معينة فى الأسبوع، الحال نفسه بالنسبة مثلًا لحياكة الملابس التى كانت تأخذ أيامًا عدة، وكانت هناك طقوس لكل نشاط بشرى، طقوس تمتد لزمن طويل، حتى فى إعداد الطعام وتناوله، مع الأخذ فى الاعتبار أن معظم البشر كانوا يحصلون على يوم واحد إجازة فى الأسبوع، الآن تغيرت الصورة تمامًا، فكل شىء بالإمكان تسوّقه من مكان واحد، وهناك إجازة أسبوعية لمدة يومين أو أكثر، وكل أنشطتنا الحياتية نقوم بها بسرعة، ومع ذلك لا نستمتع بفائض الوقت، بل يدعى الكثيرون أنه لا وقت لديهم.

نعم، التكنولوجيا الحديثة وفرت الوقت للبشر، إذن لماذا نشكو؟ ولماذا يبدو أنه لا وقت لدينا؟ هل هناك عوامل نفسية فى الأمر ترتبط بضغوط العصر؟ هل أصبحنا أبناء ثقافة تتفنن فى تمضية الوقت فى كل ما هو سطحى، بحيث لم يعد لدينا فسحة للانفراد بذواتنا أو الاستمتاع بصحبة الآخرين؟ هناك أسئلة عديدة، نستطيع من خلال الإجابة عنها بصدق استعادة الوقت المسروق.


يحيى زكى

جريدة الخليج الإماراتية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved