ما بعد كارثة إيران.. يُعد الملف الصينى الإخفاق الأكبر لإدارة ترامب
دوريات أجنبية
آخر تحديث:
الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
نشرت مجلة فورين بوليسى مقالًا اشترك فى إعداده الكاتب نيكولاس بيكيلين والكاتبة ياكيو وانج، يوضحان فيه أن الفشل الاستراتيجى لإدارة ترامب فى إدارة الملف الصينى يُعد التطور الأكثر خطورة وتأثيرًا فى رئاسته (حتى أكثر من أزمة إيران)، حيث أدت قرارات واشنطن المتخبطة إلى تراجع القوة الأمريكية وتسريع تحول توازن القوة العالمى لصالح الصين.. نعرض من المقال ما يلى:
فى الوقت الذى تسلط فيه الأضواء العالمية ومواقع الأخبار الضوء على الأزمات والحروب المشتعلة التى انخرطت فيها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وفى مقدمتها الحرب على إيران، يتبلور فى الخفاء تحول استراتيجى أكبر بكثير وأعمق أثرًا على مستقبل القرن الحادى والعشرين. قد ينظر المؤرخون والباحثون فى المستقبل إلى الأزمة الإيرانية باعتبارها نقطة تحول حاسمة كشفت حدود القوة الأمريكية وعزلت واشنطن دوليًا، إلا أن الفشل الأكبر والأكثر خطورة للولايات المتحدة لا يكمن فى الشرق الأوسط، بل فى المحيط الهادئ؛ وتحديدًا فى العجز الشامل لسياسة واشنطن تجاه الصين.
إن الصين، خلافًا للعديد من القراءات السطحية، لا تسعى إلى إعادة إنتاج نظام عالمى مطابق للنموذج الأمريكى (Pax Americana) الذى تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. بدلًا من ذلك، تمتلك بكين استراتيجية واضحة ومحددة: تقييد القوة الأمريكية، وتقليص نفوذها المالى، وتفكيك هيمنتها العسكرية فى آسيا، وإعادة تشكيل المؤسسات الدولية بما يخدم الأنظمة غير الديمقراطية. وفى غضون أقل من عامين، قدمت واشنطن بسياساتها المتضاربة أكبر خدمة لبكين لبلوغ أهدافها.
أولًا: الملف الاقتصادى وحرب الرسوم: نتائج عكسية وهدنة هشة
كان الشعار المحورى لسياسة ترامب الاقتصادية يتلخص فى خفض العجز التجارى مع الصين وإعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية عبر فرض رسوم جمركية عقابية مشددة. غير أن الواقع الميدانى والدراسات الاقتصادية (ومنها دراسات معهد بيترسون للاقتصاد الدولى) أثبتت أن الأثر الصافى لهذه الحرب الجمركية لم يكن سوى إعادة توجيه خطوط السير:
- إعادة التصدير عبر دول ثالثة: استمرت الصادرات الصينية فى التدفق إلى الأسواق الأمريكية إنما عبر وسائط ودول ثالثة مثل فيتنام، تايوان، والمكسيك. ونتيجة لذلك، ظل العجز التجارى الأمريكى مرتفعًا دون تحسن ملموس فى ميزان المدفوعات.
- إضرار بالمصنعين والمستهلكين: تسببت تقلبات الرسوم الجمركية فى فرض تكاليف باهظة على قطاع التصنيع والمستهلك الأمريكى، مع إبقاء سلاسل التوريد الحيوية تحت رحمة التطورات الجيوسياسية.
- سلاح نقطة الاختناق (Chokepoints): فشلت الإدارة الأمريكية بشكل غير مفهوم فى توقع استخدام بكين لنفوذها على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة كأوراق ضغط مضادة.
توج هذا التخبط فى اتفاق بوسان (أكتوبر 2025) على هامش قمة أوبك؛ حيث اضطر ترامب إلى التخلى عن تهديده بفرض رسوم إضافية بنسبة 100% مقابل الحصول على هدنة هشّة بشأن الفنتانيل، والصويا، والمعادن النادرة. وكان الملمح الأساسى لهذه المواجهة هو إثبات أن الاقتصاد الصينى أتم قدرته على المقاومة والالتفاف والتأقلم مع أشد الإجراءات الأمريكية قسوة.
ثانيا: سباق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى
طالما تباهت الإدارة الأمريكية بأن الولايات المتحدة تتقدم على الصين بفارق شاسع فى مجال الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا المتقدمة. ولكن فى الواقع، انكمشت الفجوة بشكل متسارع نتيجة عوامل هيكلية وسلوكية:
- تخبط الضوابط وتجاوز العقوبات: لم تستطع إدارة ترامب الاستمرار فى تنفيذ ضوابط التصدير الصارمة التى تم وضعها فى عهد إدارة بايدن بشأن أشباه الموصلات المتقدمة، وتحركت ببطء شديد لمواجهة طرق الالتفاف والتهريب. سمح ذلك للشركات الصينية بالوصول إلى الشرائح المحظورة لتتدرب عليها نماذجها اللغوية الضخمة (LLMs)، إما مباشرة أو عبر طرف ثالث.
-تفوق الصين فى التطبيق والتصنيع: ركزت بكين بأسلوب منهجى على البحث العلمى التطبيقى، والابتكار، ونشر النماذج مفتوحة المصدر. وباقتران ذلك بقدراتها التصنيعية الهائلة والصدارة العالمية فى نشر الروبوتات الصناعية، أصبحت الصين تضيق الفجوة التكنولوجية بسرعة فائقة، وتتغلب تدريجيًا على نقطة ضعفها المتمثلة فى قدرات المعالجة الحاسوبية.
استهداف البيئة الأكاديمية والبحثية: بينما تخوض واشنطن حروبًا سياسية ضد الجامعات المحلية، وتفرض قيودًا صارمة على الهجرة تنفر الكفاءات العالمية، وتخضع التمويل العلمى للمراجعات الحزبية؛ تخرج الصين سنويًا ما يقرب من ضعف عدد حملة الدكتوراه فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتسجل أرقامًا قياسية فى براءات الاختراع، وتستقطب العقول الهاربة من القيود الأمريكية.
ثالثًا: التراجع العسكرى والانسحاب الاستراتيجى من آسيا
تقتضى المصلحة الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة فى منطقة آسيا والبحر الهادئ منع الصين من التحول إلى قوة هيمنة إقليمية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على ثلاثة أركان: وجود عسكرى أمريكى قوى، رسائل ردع صارمة وموثوقة لحماية تايوان، وتحالفات إقليمية متينة. غير أن سياسات ترامب أدت إلى تآكل هذه الأركان الثلاثة بشكل غير مسبوق:
أ) تحويل الموارد العسكرية:
أدى انخراط الإدارة الأمريكية فى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران إلى سحب أصول عسكرية ضخمة من المحيط الهادئ. فعلى سبيل المثال، أدى نقل حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من اليابان إلى الشرق الأوسط إلى إخلاء غرب المحيط الهادئ من أى حاملة طائرات أمريكية لفترات حيوية، فضلًا عن استنزاف المخزون الاستراتيجى الأمريكى من الصواريخ الموجهة بدقة (مثل صواريخ باتريوت، ثاد، وتوماهوك) التى تشكل العصب الأساسى لأى مواجهة محتملة مع الصين.
ب) التشكيك فى الالتزام تجاه تايوان:
استغلت بكين هذا الفراغ لتنفيذ أوسع وأقرب مناورات عسكرية حول تايوان، محاكية عمليات الحصار والضربات الدقيقة. وفى المقابل، تعامل ترامب مع ملف حزم الأسلحة الخاصة بتايوان كـ«ورقة تفاوضية» للحصول على تنازلات تجارية، ما أرسل إشارة صريحة للصين بأن واشنطن قد تكون مستعدة للمساومة على أمن حلفائها.
ج) تضرر التحالفات التقليدية:
كوريا الجنوبية: تسبب قرار ترامب بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع سيول (على خلفية رفضها المشاركة فى حرب إيران) وتصريحاته المتوددة لزعيم كوريا الشمالية فى دفع كوريا الجنوبية للإعلان عن سعيها لـ«استعادة كاملة» للعلاقات مع الصين.
الهند: تعرضت العلاقات مع نيودلهى -التى أُسس لها طوال عقود كقوة موازنة للصين- للإجهاد والتوتر، ما دفع الهند إلى التقارب البراجماتى مع بكين تحت مظلة تكتل «بريكس» لبناء أنظمة مالية وتجارية بديلة معزولة عن النفوذ الأمريكى.
رابعًا: انهيار القوة الناعمة وتراجع الانضباط المعيارى
لطالما واجهت الصين صعوبة فى منافسة الولايات المتحدة فى ساحة «القوة الناعمة»، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وسلوكيات «دبلوماسية الذئب المحارب». لكن الفجوة بدأت تضيق ليس بسبب تحسن السجل الصينى، بل نتيجة التدهور الذاتى الحاد لصورة الولايات المتحدة عالميًا.
• • •
تظهر حصيلة المشهد الجيوسياسى الراهن حقيقة صدمت الكثير من المراقبين: إن معظم التراجعات الأمريكية أمام الصين كانت إخفاقات ذاتية الصنع نتيجة التخبط وغياب التسلسل الهرمى للأهداف الاستراتيجية. وعلى الرغم من أن الصين نفسها لم تكن بارعة للغاية فى استغلال كل الفرص المتاحة بسبب تخوف الدول المجاورة من طموحاتها البحرية وتباطؤ إصلاحاتها الاقتصادية الداخلية، فإن بكين لا تحتاج إلى كسب حب العالم لتستفيد من الانسحاب الأمريكى.
إن نظام الرئيس شى جين بينج يركز فى المقام الأول على تأمين عرشه، وتقليص قدرة واشنطن على التدخل فى شئونه، وتوفير بيئة دولية تسمح بصعوده المتدرج. وبحسابات القوة المجردة، أصبحت بكين بعد أشهر قليلة من الولاية الثانية لترامب تمتلك أسواقًا أكبر، ونفوذًا أعمق على سلاسل التوريد، ومساحة أوسع للضغط على تايوان. إن الإرث الأكبر لسياسات واشنطن الحالية قد لا يكون مجرد الإخفاق فى ملفات منفصلة، بل تأكيد المقولة الصينية التاريخية بأن الوقت يمشى فى صالح بكين.
إعداد: وفاء هانى عمر
النص الأصلى: