إسرائيل.. عنصرية داخلية وخارجية

عبدالرحيم شلبي
عبدالرحيم شلبي

آخر تحديث: الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

فيما تتجه إسرائيل نحو انتخاباتها فى أكتوبر 2026، يتصدر اسم جادى أيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وابن عائلة مهاجرة من المغرب، استطلاعات الرأى فى مواجهة مباشرة مع بنيامين نتنياهو. لو فاز، فسيكون أول رئيس وزراء إسرائيلى من أصل شرقى (مزراحى) فى تاريخ الدولة كله، بعد 37 حكومة توالى عليها جميعًا ساسة من أصل أوروبى أشكنازى. وستكتب عناوين الصحف عن نفسها: بوتقة الانصهار أثبتت نفسها أخيرًا.

غير أن هذه القراءة تسير فى الاتجاه المعاكس للحقيقة. فما يكشفه صعود أيزنكوت ليس أن البوتقة انصهرت، بل إنها ظلت طوال هذه العقود غير قادرة على الانصهار، وأن صعوده اليوم استثناء يؤكد القاعدة أكثر مما ينقضها.

ويعود هذا الفرز فى جوهره إلى الفكر الذى قامت عليه الدولة منذ تأسيسها. فقد كانت الحركة الصهيونية التى بنت مؤسسات إسرائيل الأولى امتدادًا للقومية الأوروبية، تنظر إلى يهود الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوصفهم بشرًا ينقصهم «التحديث» ليندمجوا فى النموذج الأوروبى، لا شركاء متساوين فى بناء الدولة. وقد عبّر بن جوريون نفسه عن هذه النظرة حين طالب بـ«تخليص» هؤلاء المهاجرين من طابعهم «الشرقى»، وهى عبارة لم تكن زلة لسان بقدر ما كانت تعبيرًا عن سياسة كاملة.

• • •

وقد تجسدت هذه السياسة جغرافيًا. فقد وُجّه المهاجرون اليهود القادمون من العالم العربى فى الخمسينيات إلى «معابروت»، وهى مخيمات عبور بدائية، بينما حظى المهاجرون الأوروبيون بالسكن الدائم فى المدن، ثم وُزّع أبناء هذه الموجة على «بلدات التطوير» فى النقب والجليل، فيما احتفظت النخبة الأشكنازية بالسهل الساحلى الثرى حول تل أبيب. وهكذا تشكّلت هرمية جغرافية واقتصادية بين «المركز» المزدهر و«الأطراف» المهمّشة، ما زال أثرها قائمًا إلى اليوم. أما قضية «أطفال اليمن»، اختفاء مئات الرضّع من عائلات يمنية وشرقية من دور الحضانة الحكومية فى الخمسينيات دون تفسير مقنع حتى الآن، فتبقى الجرح الرمزى الأعمق لهذا الفصل من تاريخ الدولة.

والأرقام، بعد سبعة عقود، لا تزال تؤكد استمرار هذا الفرز لا زواله. فبيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية تظهر أن نسبة الزواج المختلط بين الأشكناز والشرقيين استقرت عند 25 إلى 28 بالمئة فقط، بينما كان يُفترض فى مجتمع منصهر فعلًا أن تقترب من الخمسين بالمئة. ودراسات مركز "أدفا" تؤكد وجود فجوة أجور تتراوح بين 25 و35 بالمئة بين الرجال الأشكناز والشرقيين من الجيل الثالث رغم تقارب مستوياتهم التعليمية، فيما لا تزال الثروة العقارية المتوارثة ومقاعد مجالس إدارة الشركات ورأس المال الاستثمارى فى التقنية مركزة إلى حد كبير فى يد النخبة الأشكنازية.

أما يهود إثيوبيا، فقد كشفوا أن هذه الهرمية امتدت إلى لون البشرة أيضًا. وبعد أكثر من 40 عامًا على وصول أعدادهم الكبيرة، لا تزال الفجوة قائمة: يشير تقرير مراقب الدولة إلى أن متوسط دخل الأسرة من أصل إثيوبى كان فى 2021 أقل بنحو 30 بالمئة من متوسط دخل الأسر فى عموم السكان. وفى 2015 اندلعت احتجاجات واسعة بعد انتشار تسجيل يظهر شرطيين يضربان جنديًا إسرائيليًا من أصل إثيوبى، لتتحول الحادثة إلى رمز لأزمة ثقة أوسع مع مؤسسات الدولة. وربما تكون هذه هى المفارقة الأعمق فى قصة أيزنكوت نفسها: فقد يكون صعوده علامة على تغير حقيقى، لكنه لا يمحو التاريخ الذى سبقه، ولا يثبت وحده أن الفوارق التى قامت عليها الهرمية القديمة قد اختفت.

• • •

لكن حدود هذه الهرمية لا تتوقف عند المجتمع اليهودى نفسه، بل تصبح أكثر حدة كلما ابتعدنا عن مركزه. فالفلسطينيون ليسوا جماعة أخرى كان عليها أن تجد مكانها داخل "بوتقة الانصهار"، بل شعب آخر له هويته الوطنية ومطالبته بالأرض وتقرير المصير. ولذلك تكشف العلاقة معهم عن مستوى مختلف تمامًا: ليس فقط من يحتل المركز داخل الجماعة، وإنما من يُعرَّف أصلًا باعتباره جزءًا منها. وهذا لا يعنى أن أوضاع الشرقيين أو يهود إثيوبيا يمكن مساواتها بأوضاع الفلسطينيين؛ فالسياقات والحقوق مختلفة جذريًا. لكنه يعنى أن التجارب الثلاث تكشف، كل واحدة بطريقتها، عن حدود مشروع «الانصهار»: الدولة نجحت فى جمع جماعات مختلفة تحت سقف واحد، لكنها لم تحول هذا التنوع بالكامل إلى مساواة فى المكانة والفرص.

ففى حالة الفلسطينيين لا يتعلق الأمر بفوارق اجتماعية أو ثقافية، بل بالحقوق السياسية والوطنية والأرض والسيادة. فقانون أساس: إسرائيل، دولة قومية للشعب اليهودى، الذى أقرته الكنيست عام 2018، ينص على أن حق تقرير المصير القومى فى إسرائيل «خاص بالشعب اليهودى». وهذا لا يلغى الحقوق المدنية للمواطنين العرب، لكنه يضع تمييزًا واضحًا بين الحقوق الفردية والحق القومى فى تعريف الدولة لنفسها. وخارج الخط الأخضر تصبح المسألة أكثر حدة، ففى الضفة الغربية يعيش الإسرائيليون والفلسطينيون فى نظام مختلف من القوانين والامتيازات، بينما تتواصل المستوطنات والسيطرة على الأرض والموارد.

وهنا يكمن الفارق الجوهرى الذى يبقى حاضرًا مهما تغيرت واجهة الحكم فى تل أبيب: فبينما يمكن لتغير فى هرمية النفوذ داخل المجتمع اليهودى أن يخفف بمرور الوقت من فوارق الأجور أو التمثيل، فإن وضع الفلسطينيين ليس فجوة اجتماعية قابلة للتآكل التدريجى، بل تعريف قانونى وسياسى للدولة ذاتها لا يتغير بتغير من يجلس على رأسها. فحتى لو أصبح مزراحى أو إثيوبى رئيسًا للوزراء غدًا، يبقى قانون القومية كما هو، وتبقى المستوطنات تتمدد، ويبقى الفلسطينيون خارج تعريف «الشعب» الذى قامت الدولة لتحقيق تقرير مصيره. وهذا ما يجعل مسألتهم مختلفة نوعيًا عن أى فرز داخلى آخر، مهما بدت المقارنة مغرية على السطح: فالتراتبية الداخلية سؤال عن الموقع داخل الجماعة، أما القضية الفلسطينية فسؤال عن الجماعة نفسها ومن يحق له الانتماء إليها أصلًا.


مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved