نحو عملية ضبط منطقية للعبة المهرجانات السينمائية العربية؟ (٣ من ٣)

إبراهيم العريس
إبراهيم العريس

آخر تحديث: الخميس 22 أكتوبر 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

لكى لا تُفهم الأمور بشكل مخطئ، لا بد لنا من الإشارة هنا أولًا إلى أننا لا ندعو بما نكتبه وننشره هنا، ولا يمكن أن ندعو، إلى إلغاء المهرجانات والمناسبات السينمائية فى أى من البلدان العربية، ولا حتى فى تلك المدن الأوروبية التى اعتادت بدورها على إقامة تلك التظاهرات التى، بشكل أو بآخر، تعود بشىء من الفائدة، أو حتى بقدر من ثقة السينمائيين بأنفسهم، إذ يبدو لهم أن نتاجاتهم الإبداعية منطلقة فى العالم ودائمًا على بُعد خطوات من السعف الذهبية أو الأوسكارات أو ما شابه ذلك. فمثل هذه الدعوة لا يمكن أن تخطر لنا فى بال.
كل ما فى الأمر أننا ندعو، إن كنا ندعو إلى أمر ما، إلى ضبط الأمور ولو ضمن حدود دنيا، وإلى شىء من التواضع فى التسميات، وإلى بعض إدراك حقيقى لما قد ينتج عن ذلك كله. فالذى يحصل اليوم هو فوضى عارمة وسوء استخدام للأفلام، القليلة على أية حال، التى باتت تُنتج وتُعرض وتبدو جديرة بأن تُقدَّم للعالم بوصفها إبداعًا سينمائيًا عربيًا حقيقيًا.
ففى نهاية الأمر، ليسوا بعيدين عن الحقيقة أولئك المعلقون الذين يرون أن ثمة ما هو فى طريقه إلى الاختفاء فى مهنتى الإنتاج السينمائى والنقد السينمائى، وهما المعنيتان بصورة أساسية بهذا النوع من النشاط، وطبعا إلى جانب جمهور فى الداخل والخارج يهمه أن يرتاد العروض، ويتابع ما تبقى من نتاجات فى هذا المجال، وقد يكون من بينه قلة تهتم حقًا بأن تقرأ ما يُكتب هنا وهناك حول هذا الفيلم أو ذاك.
والحقيقة أن هناك دائمًا ما يقول لنا إن ثمة فى التعاطى مع هذه المسألة قدرًا كبيرًا من الانتفاخ المفتعل ومن التقدير الذاتى المتضخم للعملية كلها.
ففى نهاية الأمر، ليست السينما فى خير، ولا أفلامها ولا صناعها كذلك فى خير، وحتى جمهورها ليس فى أحسن أحواله. والحقيقة أن هذا الاستنتاج المتعدد الوجوه ليس نتيجة لتأمل فكرى، ولا نتيجة لدراسات علمية أو استطلاعات رأى، بل هو انعكاس لواقع حقيقى، يكفينا سبر أغوار واقع المهرجانات العربية المحلية والأوروبية حتى نتبينه.
ولعل أول وجوه هذا الواقع ما يعانيه مبرمجو معظم المهرجانات العربية حين يبحثون عن تلك الأعمال التى قد تكون جديرة بأن تُقدَّم للجمهور المستهدف، فإذ تستأثر أربعة أو خمسة مهرجانات عالمية فى كل عام بما هو متوافر من أعمال جيدة باتت نادرة وعصية على الانضمام إلى القوائم المهرجانية، يحار المتابع المتنقل من مهرجان إلى آخر، وهو يجد نفسه دائمًا بين الأفلام نفسها، وهى تتنقل بدورها من مهرجان إلى آخر، وتبدو له الخيارات المتعلقة بالأفلام الآتية من أمم غير عربية أكثر أهمية، وأحيانًا حتى أكثر تعبيرًا عن القضايا العربية نفسها، مما هو متاح فى الصناعات السينمائية العربية.
ثم خلال المهرجانات نفسها يمكن ملاحظة غياب النقاشات الحقيقية من حول الأفلام، وغياب الأدبيات المتعلقة بالسينما وفنونها، والتى جرت العادة على أن تُوزَّع فيها كتب ومنشورات تصدر للمناسبة على المشاركين، أو تُباع لهم فى مهرجانات الأيام الخوالى. والأكثر أهمية من ذلك كله، على أية حال، ما يمكن رصده، وحتى فى المهرجانات «الشرعية» الأكثر أهمية، من أن الحضور، إن حضروا فى الندوات أو المناقشات، إنما هم دائمًا بضعة أفراد قد يبقى الواحد منهم حتى النهاية تعاطفًا أو لمجرد تزجية الوقت، دون أن يُخاض أى حوار سينمائى حقيقى.
فالواقع أن الزمن الذى كان فيه مبدعون كمحمد خان ويوسف شاهين وليلى علوى وحتى لبلبة ويسرا ومحمود حميدة وزملاء لهم من المبدعين السينمائيين العرب يتدافعون لحضور الندوات وخوض النقاشات، قد ولّى، بل يختفى تمامًا مع اختفاء النقد الحقيقى والثقافة السينمائية الحقيقية، بل الاهتمام الحقيقى بالمعرفة المتعلقة بقضية السينما.
طبعًا، لا يمكننا الافتراض بأن هذه الصورة «السوداوية» ظهرت فجأة. لكنها بالتأكيد باتت تسم الحياة المهرجانية حتى دون أن يبحث أحد عن مصائرها وأسبابها. إنه اليوم واقع الحال. الواقع الذى، فى الوقت الذى تحاول فيه مهرجانات كبرى، تشكل نسبة ضئيلة من مجمل المهرجانات السينمائية العربية، أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، تتحول الغالبية العظمى من تلك التظاهرات البائسة التى تسمى «مهرجانات»، وقد فقدت الكلمة معناها، تتحول إلى «دكاكين عائلية» و«سبل للارتزاق» ومجالات للعلاقات العامة، وأحيانًا حتى إلى احتفالات بهرجية لا يعود فيها للفن السينمائى نفسه أى مجال للبقاء.
ومن هنا، فإن السؤال الذى به نختم كلامنا هذا، ونحن فى الأسابيع الأولى من موسم مهرجانى جديد، يبقى فى نهاية الأمر التالى: هل نحن أمام معضلة ينبغى البحث عن حلول منطقية لها؟ أم تُرانا نرسم صورة واقعية لتطور تقنى حتمى لا رادّ عنه ولا حلول له، لا يتعين علينا أكثر من رصده، مبدين حزننا، بل يأسنا، من حقيقة أن هذا هو الواقع، وذلك هو المصير الحتمى لنشاط إبداعى عربى، عرف زمانًا كان يشكل فيه نوعًا من التتويج لحالة إبداعية عربية، أتت اليوم حقائق جديدة وظروف متراكمة لتقضى عليها عامًا بعد عام، وموسمًا بعد موسم، بحيث لم يعد على من تبقى منا إلا أن يتعايش معها بشكل مؤسٍ، ليعود إلى اللطم والشكوى من جديد فى كل مرة وبصدد كل موسم، حتى يعجز عن العثور على من تصله الشكوى مكتوبة أو مسجلة صوتيًا وبالفيديو، ولسان حالها يكاد ينحصر فى سؤال وجواب: كيف حال الدنيا يا سيدى؟ إنها تدور رغم كل شىء يا سيدى..!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved