لماذا تراجعت الصناعة المصرية؟

محمد عبدالمنعم الشاذلي
محمد عبدالمنعم الشاذلي

آخر تحديث: الثلاثاء 22 نوفمبر 2022 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

منذ بداية عصر مصر الحديثة الذى يؤرخ له بتولى محمد على أريكة الحكم فى عام 1805، فكان أول خطوة لانفتاح مصر على العالم الخارجى وفُتحت نوافذها ليدخل من خلالها شعاع نور عصر العلم والعقل بعد قرون من الانغلاق والانكفاء الداخلى خلال الحكم العثمانى. ومنذ هذه اللحظة تأرجح البندول تارة ناحية الصانع وتارة تجاه السمسار!
• • •
محمد على كانت له رؤية شاملة ومتكاملة للحكم، وأراد أن يجعل مصر دولة قوية وحديثة وأدرك أن القوة تبنيها الصناعة والأهم أنه أدرك أن القوة لا تبنى إلا ذاتيا وأن أحدا لن يعين دولة على أن تكون قوية. قد يقرضها الغير وقد يبيع لها الآلات مادامت غير قادرة على منافسة منتجاته ليقبض فى النهاية فوائد القروض وثمن الصادرات.
ركز محمد على فى البداية على بناء جيش قوى لأنه ركيزة الدولة، فأقام المصانع التى تنتج عتاده من مسابك للمدافع ومصانع للبنادق والسيوف والذخائر وحتى ملابس الجنود وأحذيتهم والطرابيش فضلا عن ترسانات لبناء السفن ومستلزماتها من أشرعة وحبال، ولأن الصحة هى عماد الجندى القوى أرسل البعثات لدراسة الطب وأيضا البيطرة والزراعة؛ وأتم ذلك وسط نظام احتكارى للدولة يحمى الصناعة المصرية الناشئة من المنافسة غير العادلة للدول الصناعية الأوروبية، وهى بالمناسبة سياسة اتبعتها الولايات المتحدة فى القرن الـ19 لحماية صناعاتها الناشئة دون تثريب من أحد.
تنامت قوة محمد على وهدد السلطان العثمانى الذى أرادت بريطانيا وفرنسا حمايته حفاظا على توازنات القوى، وهبوا لنجدته من جيوش إبراهيم باشا وضربت الأساطيل جيوشه فى الشام وفرضوا عليه اتفاقية 1840 التى قلصت نفوذه وأجبرته على رفع الاحتكارات التى حمت الصناعة المصرية، وبالرغم من ذلك ظلت مصر حتى مماته بلدا للصناع وللصناعة واستمر فى البناء.
بموت محمد على أفلت شمس الصناعة وبزغ فجر السماسرة وكان أفجرهم وأعتاهم ديليسبس الذى زين لسعيد باشا امتياز قناة السويس بشروط مجحفة، وزاد فجره وغيه فى عصر إسماعيل فكان وسيطا وسمسارا للبنوك والمرابين الذين أغرقوا مصر فى الديون حتى أفلست، كما كان سمسارا للقطن المصرى الذى أثرى على حسابه السماسرة والتجار ومصانع لانكشاير البريطانية بينما ظل الفلاح المصرى على فقره وبؤسه. ولندرك مدى فجر ديليسبس علينا أن نراجع ما ذكره نوبار باشا فى مذكراته من قصة تكليف إسماعيل له بشراء ثلاث سفن لبناء أسطول تجارى يخدم علاقات مصر مع دول البحر المتوسط فورّد له ثلاث سفن، واحدة منهم غرقت فى طريقها لمصر والثانية صارت غير صالحة بعد أقل من سنة والثالثة لم تصل إلى مصر بتاتا.
زاد غى السماسرة بعد الاحتلال البريطانى منذ عصر توفيق وما تلاه. دعم الإنجليز السماسرة مع تكريس أن مصر دولة زراعية وغير مؤهلة للصناعة وهو تعبير ينكره من بلغ من العمر عتيا مثلى، كنا نلقن به فى مدارسنا حتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضى.
صحوة قصيرة وواعدة حدثت مع ثورة 1919 وتنامى الحس الوطنى ومع إعلان الاستقلال المحدود لمصر عام 1922 أحيت الصناعة فى مصر على يد الوطنى العظيم طلعت حرب الذى أسس بنك مصر وشركاته الصناعية التى استهلها بتصنيع القطن، وامتدت شركاته لتشمل النقل البحرى ومصر للطيران ومصر للأسمنت المسلح وشركة لمصايد الأسماك. حققت شركات طلعت حرب نهضة صناعية هائلة وكان من الطبيعى أن يلقى معارضة من الإنجليز ومن السماسرة فتكالبوا عليه واختار أن يستقيل فى شهر سبتمبر من عام 1939 عندما تقدم لوزير المالية بطلب قرض لبنك مصر لدعمه فى ظروف اندلاع الحرب العالمية الثانية فوضع الوزير شرط استقالة طلعت حرب لتقديم القرض!
• • •
كان أكبر ميل للبندول المتأرجح بين الصانع والسمسار ناحية الصانع مع قيام ثورة 23 يوليو 1952 التى كانت لها رؤية لبناء مصر القوية ورأت فى الصناعة الأساس والدعامة للقوة، فكانت مصانع الحديد والصلب وشركة النصر للسيارات وشركة سيماف لإنتاج عربات السكك الحديد ومصانع الإلكترونيات التى أنتجت التلفزيونات وأجهزة الراديو فضلا عن المصانع التى أنتجت مواقد البوتاجاز والسخانات التى لم يخلُ منها بيت مصرى، فضلا عما وفرته هذه المصانع من فرص عمل وكانت مدرسة تخرج منها كادرات صناعية عديدة وانتصرت على أسطورة أن مصر دولة زراعية لا تصلح إلا لزراعة القمح لإطعام الإمبراطورية الرومانية أو إنتاج القطن لصالح مصانع الإمبراطورية البريطانية، وشرعنا فى صناعة الصواريخ التى اهتزت إسرائيل هلعا منها فأرسلت الطرود المفخخة لتنال من العاملين فى المشروع لإرهابهم وضغطت ألمانيا على رعاياها لتسحبهم من العمل.
ثم مات عبدالناصر فتأرجح البندول بعيدا عن الصانع إلى أقصى ناحية (السمسار) بصدور قرارات الخصخصة. الخصخصة فى حد ذاتها لا تثريب عليها بأن تنقل الملكية العامة إلى الملكية الخاصة للمصريين، أما أن يكون الغرض منها هدم صروح الصناعة التى بنيت بعرق وكد الشعب المصرى فتنهار شركة النصر لصناعة السيارات وشركة المراجل التجارية التى توفر الطاقة للمصانع والشركات التى أنتجت التلفزيونات وإطارات السيارات وبطارياتها ومصنع الحديد والصلب وشركة سيماف لعربات السكك الحديد، ناهينا عن التشهير والسخرية والتسفيه الذى نال من محاولاتنا وجهودنا لتعزيز أمننا القومى بصناعة صواريخ مصرية أرهبت أعداءنا الذين أرسلوا الطرود المفخخة لتصفية العلماء الذين استعنا بهم مع الضغط على ألمانيا لسحبهم، وتهكم المتهكمون بأنها كانت غير دقيقة وغير فعالة ناسين أن الجنين يخرج إلى الدنيا ضعيفا صغيرا ويحتاج الأمر إلى سنوات من الصقل والتعليم حتى يصير بطلا رياضيا وأستاذا جامعيا! كما نال شعار «نصنع من الإبرة للصاروخ» نصيبه من التشويه والتشهير والسخرية.
• • •
كان هذا هو العصر الذهبى للسماسرة الذين نجحوا فى إزاحة السيارات المصنوعة فى مصر بسيارات مصنوعة فى أوروبا وآسيا وأمريكا حتى أننا رأينا أوتوبيسات مكتوبا عليها بالخط العريض أنها مصنوعة فى دولة الإمارات. كما نجحوا فى إزاحة السيارات المصرية من الشوارع، ونجحوا فى إزاحة التلفزيونات والراديوهات والثلاجات والبوتاجازات والسخانات المصرية من بيوتنا حتى صناعة الغزل والنسيج التى تفوقنا فيها اعتمادا على قطننا المصرى الذى لا يضارعه قطن تركناها تذوى وتضمحل. وامتد نشاط السمسرة إلى كل نواحى الحياة من التعليم الذى بعد أن كان رسالة لبناء الأجيال صار تجارة تعتمد على السناتر والمدارس الدولية التى تعد تلاميذها للحصول على الجرين كارد والهجرة إلى أوروبا وأمريكا؛ وإلى العلاج الذى صار كالحلى الذهبية المرصعة بالجواهر لا يقدر عليه إلا الأثرياء، فضلا عن استعانة السماسرة بشركات الدعاية والإعلان التى تزين لنا الحصول على كل ما هو استهلاكى وترفى وتناشدنا إن كنا لا نملك ثمنه بالاستدانة والاقتراض للحصول عليه.
زين لنا السماسرة أن الاستثمار فى الصناعة هو إهدار للمال والجهد مادمنا نستطيع أن نشترى المنتج ونستورده دون عناء ناسين أن الغرب لن يبيع لنا إلا السلع الاستهلاكية والكمالية بلا رقابة لكنه سيحجم عن تزويدنا بالسلع الصناعية والإنتاجية التى تمكننا من منافسة إنتاجه فى الأسواق، ولن يبيع لنا السلاح الذى يتفوق على سلاحه حتى نعجز عن مواجهته أو مواجهة حلفائه عسكريا.
تحولت أموالنا إلى الاستثمارات العقارية والسياحية والاستهلاكية بعيدا عن الصناعة التى هى من المحفزات الرئيسية للبحث العلمى فتراجع بدوره فى حياتنا.
لعل الأخطر والأخبث فى الأمر هو تراجع ثقتنا فى أنفسنا وفى قدرتنا على أن نصنع ونخوض مجال الصناعة بنجاح. وأذكر فى هذا الصدد أغنية تغنينا بها فى الخمسينيات عن المصانع الحربية جاء بها «بالهمة الجبارة أنا حاصنع بمهارة دبابة وطيارة ومدافع مصرية«، واليوم أصبحنا ننشد شريكا أجنبيا لإنشاء مصنع للتكاتك أو لتسيير دراجات هوائية فى شوارع القاهرة!
لقد تكونت للأسف طبقة تقرن الصناعة بثورة يوليو وبجمال عبدالناصر فصارت تبث كراهيتها للصناعة كما تبثها للثورة ولعبدالناصر.
أغلق عينى وأتامل ما كان من الممكن أن نصل إليه إذا لم تجهض تجربتنا الصناعية، أتأمل ما كانت ستصل إليه صناعة السيارات وصناعة السفن وصناعة التلفزيونات والأجهزة المنزلية قبل أن نسمع عن إنتاج كوريا، وكيف سيكون مدى صواريخنا وهى التى بدأنا صناعتها قبل إيران التى أطلقت أقمارها الصناعية إلى الفضاء على متن صواريخها. سلاما وإجلالا وتقديرا للصانع المصرى فى عصر محمد على وفى عصر سعد زغلول وفى عصر جمال عبدالناصر وإلى الصانع المصرى الذى لا زال صامدا حتى الآن يصنع رغم كيد الكائدين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved