الهجرة رباط فى النظام الدولى

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: الأحد 22 ديسمبر 2013 - 9:15 ص بتوقيت القاهرة

احتفل العالم احتفالا خافتا باليوم الدولى للمهاجرين يوم 18 ديسمبر، وهو اليوم الذى حددته الأمم المتحدة للاحتفال بالمهاجرين كل عام، وهو ذكرى اعتماد الجمعية العامة فى سنة 1990 للاتفاقية الدولية لحماية حقوق كل العمال المهاجرين وأفراد أسرهم. جدير بالذكر أن مصر هى أولى الدول المصدقة على الاتفاقية الدولية فى فبراير 1993 وهى نفس السنة التى دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ فيها فى شهر يوليو.

•••

خفوت الاحتفال غريب، وهو ليس بغريب فى الوقت نفسه. هو ليس بغريب لأن بلدان الاستقبال يسوؤها وجود المهاجرين الغرباء فى أراضيها وبين مواطنيها. من هذه البلدان من يركِز على أن المهاجرين لا يقصدونها إلا طمعا فى أنظمة الحماية الاجتماعية فيها وليعيشوا عالة عليها. ومنها بلدان أخرى ترفض أساسا أن يكون لديها مهاجرون وتشدد على أنه ليس فى أراضيها إلا عمال تعاقديون مؤقتون. السبب فى الرفض هو أن هذه البلدان تتخوف من أن يرتب الاعتراف بمفهوم المهاجر التزامات عليها تتعلق بالإقامة أو التجنس، وهو تخوف لا سند له على الإطلاق، حيث إنه لا يوجد فى القانون الدولى أى التزام من هذا النوع يترتب على مجرد مفهوم المهاجر. إحصائيا، المهاجر هو كل شخص يعيش فى بلد غير بلده اثنى عشر شهرا زائد يوم واحد. هذا كل ما فى الأمر. وخفوت الاحتفال ليس بغريب أيضا فى بلدان الإرسال، أى فى البلدان الأصلية للمهاجرين الذين يقدَر أن قرابة التسعين فى المائة منهم هم عمال مهاجرون وأفراد أسرهم، إذ يبدو أن الكثير من هذه البلدان يشعر بما يشبه وخز الضمير لأن قصور سياساتها اضطر أبناءها، وبالملايين منهم فى حالات كثيرة، لأن يغادروها بحثا عن فرص للعمل توفر لهم ولأسرهم ظروف حياة كريمة، فى أغلب الأحيان، أو تمكنهم من تحقيق ذواتهم وطموحاتهم المهنية، فى أحيان أخرى.

ومع ذلك فخفوت الاحتفال باليوم الدولى للمهاجرين غريب كل الغرابة. العمال المهاجرون يساهمون فى إنتاج الدخل والثروة فى البلدان التى يعملون فيها. ليس صحيحا أنهم عالة أو أنهم يستغلون أنظمة الحماية الاجتماعية فى بلدان الاستقبال المتقدمة. الحقيقة هى أنهم يمولون أنظمة الحماية الاجتماعية وأن مساهماتهم فيها تفوق ما يستفيدونه منها. ثم إنهم فى هذه البلدان يلبون طلبا على العمل فى مهن لا يوجد عمال وطنيون بما فيه الكفاية لشغلها. وفى بلدان استقبال أخرى، العمال المهاجرون يشاركون فى استثمار الموارد المالية المترتبة على انتاج وتصدير النفط وهى موارد كانت لتبقى مشلولة بدونهم. والعمال المهاجرون ليسوا فقط منتجين، وهو دور عظيم، ولكنهم أيضا مستهلكون، وبدونهم ما كانت تنشأ أسواق ولا دول عديدة.

•••

والعمال المهاجرون، فى بلدانهم الأصلية، أبطال محجوبون عن النظر. هم يخففون من الضغوط فى أسواق العمل، فيحولون دون ارتفاع معدلات البطالة وازدياد الفقر. فى مصر، يقدَر أن ما بين 15 و20 فى المائة من قوة العمل تعمل فى أسواق عمل خارجية، فى الخليج، وفى الأردن، وليبيا، ولبنان، وبعض بلدان الاتحاد الأوروبى، فضلا على أمريكا الشمالية وأستراليا. هؤلاء العمال يساهمون بالمهارات التى يكتسبونها أثناء الهجرة فى التنمية فى مصر بعد عودتهم إليها، والبينة على ذلك ارتفاع الأجور بين العائدين عنها وبين من لم يهاجروا قط. والعمال المهاجرون مصدر تحويلات مالية هائلة لبلدانهم الأصلية يقدر أنها ستصل إلى 550 مليار دولار فى سنة 2013، منها 414 مليارا للبلدان النامية، بزيادة 6.3 فى المائة عن سنة 2012، أى بمعدل للنمو يفوق معدل النمو فى الاقتصاد العالمى. وفى مصر ارتفعت التحويلات من 10.5 مليار دولار فى 10-2009 إلى 12.8 مليار فى 11-2010 ثم إلى 18.4 مليار فى 12-2011 بارتفاع سنوى وصل إلى 22 فى المائة ثم إلى 44 فى المائة على التوالى فى وقت عجز فيه نمو الاقتصاد الداخلى عن اللحاق بمعدل نمو السكان. التحويلات تساهم فى سد العجز فى ميزان المدفوعات، المترتب على العجز المزمن فى الميزان التجارى المصرى، وهو ما يفيد مجمل المجتمع المصرى، وهى تحد من الفقر لدى الأسر المتلقية لها وفى المناطق التى تعيش فيها هذه الأسر. ليست كل جوانب التحويلات إيجابية، والهجرة ليست معدومة الآثار السلبية، ولكن للتحويلات وللهجرة نتائج ملموسة بالغة الأهمية بالنسبة للبلدان الأصلية للمهاجرين ولأسرهم.

النظر إلى الهجرة على أساس الفوائد التى ترتبها لبلدان الاستقبال والارسال كل على حدة ليس كافيا وهو لا يوفر تقديرا شاملا للهجرة من منظور النظام الدولى. فى هذا النظام توجد مناطق يشيخ سكانها وتنكمش قواها العاملة، بفعل انخفاض معدلات الخصوبة فيها، وهو ما يؤدى إلى ازدياد عدد الشيوخ الذين يكفون عن العمل ولا يعوضهم شباب كافون لانخفاض أعداد المواليد. فى المقابل، توجد مناطق ترتفع فيها معدلات الخصوبة فيزداد السكان ولكن النشاط الاقتصادى يعجز عن توفير فرص العمل اللائق والمجزى لهم، إن استطاع توفيرها أصلا. صحيح أن الهجرة وحدها لن تحل مشكلة هذه البلدان أو تلك، ولكنها جزء مهم من الحل، خاصة فى الأجل القصير.

•••

الهجرة ظاهرة اجتماعية قديمة قدم العالم. منذ ما قبل نشأة الدول بالمعنى الحديث للدول الوطنية المتمترسة وراء حدود تغلق أو تفتح فى وجه الغرباء، انتقل البشر من أماكن إلى أخرى، قريبة أو بعيدة، بحثا عن أسباب العيش، أو عن الأمن، أو عن كليهما. ولكن، وعلى الرغم من الدول الوطنية الحديثة وما يعترف لها من حق فى إغلاق حدودها أمام من لا ترغب فيهم، فإنه لا يتصور أحد أنه يمكن وقف الهجرة أو الحيلولة دون حدوثها. سبب أول هو أن الهجرة ضرورية للتوازن السكانى فى النظام الدولى، كما سلف، ثم لأنها أصبحت أكثر يسرا فى وقتنا الحالى بفعل التقدم الهائل فى وسائط الاتصال والمواصلات، ولأنها نتاج لعوامل جغرافية وتاريخية وثقافية لا فكاك منها، وأخيرا نتيجة لاختلال توزيع الثروة والدخل فى نفس النظام الدولى.

بفعل القواعد المرتضاة للعلاقات بين الدول، الشخص الموجود فى دولة غير دولته هو فى وضع قانونى ضعيف، لأنه لا يتمتع بكل الحقوق التى يمارسها المواطن ولأنه لا حق ثابتا له فى البقاء فى إقليم هذه الدولة. التمييز بين الناس سمة لصيقة بنظام الدول الوطنية الذى ارتضاه البشر منذ منتصف القرن السابع عشر لتنظيم العلاقات بين مجموعاتهم الوطنية والعرقية. ولكن هذا التمييز ينطبق فقط على حقوق المواطنة، وهى المتعلقة بالإقامة وبالمشاركة فى إدارة الشأن العام، أى بالحقوق السياسية. أما الحقوق المدنية والحقوق المترتبة على العمل فإنه لا تمييز مقبولا فى شأنها. المساواة بين العمال الوطنيين والعمال المهاجرين مبدأ أساسى، ولقد اكتشفت نقابات العمال فى الدول المتقدمة أنه خير دفاع عن أعضائها الوطنيين لأنه يكفيهم منافسة عمال أقل تكلفة منهم إن عمل هؤلاء بأجور أدنى أو لساعات أطول.

•••

دول الإرسال لا بد أن تسهر على تمتع عمالها المهاجرين بالمساواة وعلى ألا يخضعوا لأى تمييز، ومن الواجبات الأساسية لهذه الدول أن تحمى مواطنيها الموجودين فى الخارج وأن ترعاهم. محمود أن مشروع الدستور المصرى المعدل قد ألزم الدولة برعاية مصالح المصريين المقيمين بالخارج، وحمايتهم، وكفالة حقوقهم وحرياتهم. لعل العام الذى يهلُ بعد أيام يشهد بداية طفرة فى سياسات رعاية المصريين المقيمين بالخارج ورعايتهم، وفى المؤسسات المسئولة عن صياغة هذه السياسات وعن تطبيقها. وعسى النتيجة تكون فى 18 ديسمبر من العام القادم احتفاء يليق بملايين المصريين المقيمين فى الخارج، احتفاء لا يلتقط الخيط من الاحتفال الأول، المتواضع وإنما الصادق، الذى شهده هذا العام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved