نهاية «نهاية التاريخ»

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الخميس 22 ديسمبر 2016 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

كتب عدد من المفكرين والمنظرين الأمريكيين عن هذا العنوان نهاية (نهاية التاريخ) فى مناسبات تاريخية مختلفة منذ وصول الرئيس باراك أوباما لسدة الحكم عام 2008، إلا أن الكتابات عن نفس الموضوع زادت كثافتها، واختلفت طبيعتها بعدما وصل دونالد ترامب للبيت الأبيض. مع وصول أوباما للحكم تعمقت أحلام فلاسفة ومنظرى الغرب عن حتمية انتشار النموذج الذى أتى برجل أسود ليبرالى تقدمى ليقود العالم الحر، واليوم تتبخر هذه القناعات على صخرة ترامب، الرئيس المنتخب ديمقراطيا، وما يمثله من نموذج مستبد فاشى شعبوى عنصرى.

البداية كانت عام 1989 مع كتب الأكاديمى الأمريكى ذى الأصل اليابانى فرانسيس فوكوياما فى صورة مقال عنوانه «نهاية التاريخ»، قال فيه إن عصر الاستبداد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى إلى دون رجعة، وأن المستقبل ستسيطر عليه فلسفة وتطبيقات الليبرالية السياسية واقتصاديات السوق. وبعد سقوط سور برلين، اعتقد كثيرون أن الحرب الباردة انتهت بهزيمة الاتحاد السوفييتى وتفتته لعدة دول. واحتفلت مدارس فكرية غربية بانتصار الليبرالية وقيم الديمقراطية واقتصادات السوق. اعتقد الكثير من فلاسفة ومفكرى الغرب وغيرهم أن نظام الديمقراطية الليبرالية المتبع فى دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والذى يجتمع فيه اقتصاد السوق المفتوح، وديمقراطية الانتخابات الحرة، واحترام حقوق الإنسان، انتصر فى حرب الأفكار والأيديولوجيات وأصبحت حتمية انتشاره لبقية بقاع الأرض ليست إلا مسألة وقت.

حجر الأساس لنهاية التاريخ تمثل فى نهاية الحرب الباردة، إلا أنه ومنذ البداية كان هناك رفض روسى للتصور الغربى لنهايات الحرب. وكتب فيودور لوكيانوف، الخبير الروسى ورئيس تحرير دورية جلوبال آفيرز الروسية أن الخلاف الكبير بين بلاده وواشنطن ينبع بالدرجة الأولى من طبيعة إدراك الطرفين لنهايات الحرب الباردة، فواشنطن احتفلت بما رأته انتصارا مدويا وخرج الرئيس السابق جورج بوش الأب مبشرا بنظام دولى جديد يمنح روسيا صفة المهزوم. أما موسكو ونخبتها السياسية والعسكرية فلم تعتقد لوهلة أن بلادها منيت بهزيمة، فقد رأت أن الحرب الباردة تنتهى دون انتصار أى طرف خاصة مع الأخذ فى الحسبان أنه لم تطلق أى طلقة على الجانب الآخر أثناء عقود الصراع الطويلة. وتعاملت واشنطن والغرب مع روسيا من منطلق هزيمتها، وتم التدخل فى مناطق نفوذها التاريخية سواء فى دول شرق أوسطية مثل العراق وليبيا وسوريا، أو دول أوروبية مثل أوكرانيا وبولندا، بل وانضمت الأخيرة لحلف الناتو.

***

من ناحية أخرى، اعتبرت نظرية نهاية التاريخ المسلمين والمجتمعات الإسلامية شعوبا متأخرة تخلفت عن اللحاق بالديمقراطية الليبرالية. وأعتقد فوكوياما أن الكثير من المسلمين المقيمين فى أوروبا، وخاصة الجيل الثانى منهم، غير قادرين على الإحساس بهويتهم، فالمجتمعات الأوروبية لا تنصهر فيها جميع الأجناس والأعراق فى بوتقة واحدة، إضافة إلى أنها تلفظ الغرباء وتأبى أن تحتضنهم فى كنف العباءة القومية وبالتالى يشعر الشباب المسلم بعدم وجود هوية محددة لهم وهو أمر نادر الحدوث إذا ما عاش هؤلاء الشباب وسط مجتمع إسلامى، وبسبب هذا الضياع والتخبط يلجأ هؤلاء الفتية إلى الارتماء فى أحضان تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الذى يدعوهم للمشاركة فى عالم إسلامى فسيح ورحب ذى طبيعة عسكرية جهادية، وهو ما يمثل خطرا كبيرا على النموذج الديمقراطى الليبرالى. وهكذا ساهمت سلوكيات وطبيعة التواجد الإسلامى داخل أوروبا، والذى يقدر بعشرين مليون مسلم، إضافة لتبعات تحرك مئات الآلاف وربما ملايين اللاجئين من سوريا وغيرها لأوروبا فى تسهيل القضاء على نهاية التاريخ بصورة مباشرة.

وجاء انتصار ترامب فى أحد أبعاده معبرا بدقة عن جذور الحركة الشعبوية التى تجتاح الغرب بعدما تمكنت من دول كثيرة غير غربية تحت ذريعة مقاومة العولمة. ولم يكن غريبا أن ينال ترامب أصوات من فقدوا وظائفهم من الطبقة العاملة بسبب المنافسة الخارجية أو بسبب انتقال مصانعهم لدول أرخص من حيث مرتبات العمال، كذلك حصد ترامب أصوات الرجال البيض ممن شعروا بأن المجتمع الأمريكى الحديث والمتقدم همشهم ثقافيا تحت اسم التعددية. ولا يختلف الأمر فى طبيعته عن تصويت أغلبية البريطانيين لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبى قبل شهور، ولا عن تصويت عدة دول أوروبية لمرشحى اليمين المتطرف ممن يعادون المهاجرين. ولا يختلف السيناريو نفسه عن أوضاع عدو دول أوروبية مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك، وربما لحقت بهم العام الماضى هولندا وفرنسا وألمانيا، حيث تم انتخاب قوى يمينية متطرفة لا تمانع فى اللعب على وتر خصوصية الهوية الثقافية، واتباع سياسات استبدادية وحماية تجارية وتقييد الهجرة.

***

نهاية التاريخ لم تنته بالصدفة او المفاجأة، رغم أن هناك ضربة قاضية، إلا أنها جاءت من خلال عملية طويلة شهدت تخلى ديمقراطيات غربية عن قيمها التى كانت تدعى التمسك بها كمقدسات الديانات السماوية. وفى إطار رده على ما يراها تهديدات ثقافية بالأساس، اختار الناخب الغربى أن يأتى بحكام لا يؤمنون بأسس الديمقراطية الليبرالية. وها نحن بصدد التعامل مع رئيس أمريكى لا يؤمن بأسس ديمقراطية بلاده. رئيس لا يأبه بخضوع القوات المسلحة لسيطرة المدنيين، رئيس لا يحترم حريات التعبير وحرية الصحافة، رئيس غير نزيه لا يمانع فى جنى مكاسب مادية أثناء توليه فترة الحكم من حكومات أجنبية. رئيس هدد مبدأ الانتقال السلس للسلطة بصورة ديمقراطية إثر تهديده بعدم قبول نتائج الانتخابات إذا خسرها.

فى النهاية يعتقد يوشكا فيشر وزير الخارجية الألمانى الأسبق أنه ومع انتخاب ترمب رئيسا للعالم الحر تنتهى حقبة مهمة، وتبدأ حقبة نهاية العالم الغربى إذا ما قرر ترامب التخلى عن الدور الأمريكى فى منظومة الدفاع عن الديمقراطيات الأوروبية، وهو ما يصبح معه مستقبل العالم الغربى ذاته على المحك الآن. ولا أعتقد أن فوكوياما تخيل يوما وجود تهديد وجودى لمنظومة الديمقراطية الليبرالية، ولم يتخيل قرب فصل النهاية لنهاية التاريخ.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved