التاريخ السياسى للإسلام: مقدمة

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: السبت 22 ديسمبر 2018 - 11:25 م بتوقيت القاهرة

هو واحد من أكثر الموضوعات الحساسة فى التناول وخصوصا فى عصرنا الحديث حيث الاستقطابات المخلوطة بالعصبية والعنف اللفظى. حساسية أراها مصطنعة ومتخفية وراء مصالح أشخاص ومدارس فكرية إما تعتقد أن الحفاظ على قدسية الإسلام يكون بوضع المحاذير والخطوط الحمراء على تناول موضوعاته بحيث يتعرض كل من تسول له نفسه التناول غير التقليدى أو المتفق عليه من قبل هؤلاء الأشخاص وهذه المؤسسات للبعد السياسى فى الإسلام للتسفيه أو الاغتيال المعنوى، أو أشخاص ومدارس أخرى لديها دونية تجاه الغرب فترى أن التسفيه من الإسلام وتاريخه وحاضره السياسى وماضيه الحضارى هو وسيلة للتقرب للغرب ولإثبات التحضر واللحاق بالنوادى الاجتماعية والثقافية لعلية القوم وأصحاب النفوذ.
أتذكر فى عام 2012 حينما تمت دعوتى لمناقشة كتيب صغير عن «الخلافات السياسية بين الصحابة» وقد ترأس النقاش أستاذ علوم سياسية متفتح وراغب فى فتح حوار شفاف حول هذا الموضوع المحظور، كما شارك فى النقاش أحد المسئولين فى الأزهر الشريف والذى حول الموضوع بمشاركة الحضور والذى كان أغلبه من التيار الإسلامى إلى احتفالية غير مبررة بالصحابة وبصالح أعمالهم مع تلميحات معتادة عن المؤامرات التى يتعرض لها الإسلام مع غمز ولمز فى الكاتب (الذى هو أصلا من ذوى التوجهات الفكرية الإسلامية) وهكذا ابتعد النقاش عن هدفه وانتهى الحوار والجدل فى مهده! ولا أعتقد أن هذه المناقشة كانت استثناء، فحاضر الجدالات الإسلامية سواء كانت فى محافل علمية أو دينية أو شعبية لا يختلف كثيرا عن مثل هذه النقاشات الملغمة بالتخوين والملزمة بنتائج مسبقة قبل أن يتم فتح باب النقاش والجدل من الأساس!
***
التاريخ السياسى للإسلام يبدأ منذ اللحظة التى تحدث فيها الرسول عن الوحى والرسالة وبدأ فى الدعوة للإسلام لأن هذه الدعوة لم تكن دينية فحسب ولكنها كانت دعوة لثورة اجتماعية وثقافية ولاحقا سياسية على نمط الحياة التقليدى فى الجزيرة العربية. صحيح أن هناك مبالغة إسلامية واضحة فى تسطيح فترة ما قبل الإسلام (الجاهلية) حتى يعتقد غير القارئ سوى للتاريخ الإسلامى أن الإسلام كان بمثابة بداية الحضارة الحديثة وما قبله لم يكن سوى قشور وهو اعتقاد خاطئ تماما، لكن الصحيح أيضا أن الإسلام لم يكن مجرد مجموعة من الطقوس أو الروايات التاريخية ولكنه كان نظاما اجتماعيا وسياسيا غير كثيرا من حياة العرب ولاحقا أعاد بناء خريطة العالم وغير من معادلات القوة الدولية.
إذا فنحن أمام تاريخ طويل يصل إلى أكثر من أربعة عشر قرنا من التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية التى أحدثت الكثير من التغيرات البشرية إيجابا وسلبا وأحسب أن هذه التطورات التاريخية ربما لم تحظَ بعرض تفصيلى فى الصحف العامة المطبوعة وتم الاقتصار على مناقشتها فى المحافل العلمية، ومن هنا تأتى رغبتى فى تغطية هذا الموضوع المهم بشكل مبسط فى محاولة للاشتباك مع أهم محطات التطور السياسى فى التاريخ الإسلامى.
***
هذه التغطية تبدأ بمناقشة شكل النظام الاجتماعى والسياسى فى شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، ثم تعرج على فترة الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام)، وخصوصا مع بداية الدعوة والهجرة إلى المدينة وإنشاء نظام اجتماعى واقتصادى وسياسى جديد قائم على القيم الإسلامية، مرورا ببدء مرحلة الخلافة الراشدة عقب وفاة الرسول ثم الوصول إلى المرحلة الأهم والأكثر جدلية فى التاريخ الإسلامى حيث الحرب الكبرى التى فتتت وحدة المسلمين التى لم تصمد كثيرا بعد وفاة الرسول، فتحولت الخلافة إلى نظام وراثى يقوم على تغلب الأقوى ويخضع لعلاقات القوة المتعارف عليها سياسيا فيأتى الأمويون ليحولوا عاصمة الخلافة إلى دمشق، ثم يأتى العباسيون ليزيحوا الأمويين ويحولوا الخلافة سريعا إلى بغداد ليستمر هذا النمط العنيف القائم على العصبية والقبلية فى تداول السلطة حتى انهيار الخلافة العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
قراءة هذه التطورات عملية معقدة، فالتاريخ الإسلامى على هذا النحو كان تاريخا فى معظمه عنيف وكان هذا هو حال إمبراطوريات العالم القديم، ورغم هذا العنف الظاهر وفترات عدم الاستقرار الطويلة التى مرت بها البلاد الإسلامية إلا أن هذا لم يمنعها من السيطرة على ما يقرب من نصف العالم القديم، ولم تمنع هذه التطورات الإسلام من الانتشار فى أراضى وثقافات ومجتمعات جديدة، كما أنها لم تمنع الحضارة الإسلامية من الإسهام فى التطورات العلمية والإنسانية والثقافية العلمية، قبل أن تتأخر الحضارة الإسلامية بفعل التخلف الحضارى وعدم اللحاق بالتطورات الصناعية والسياسية الحديثة، حيث شهد العالم تقدم غير مسبوق للحضارات الغربية المسيحية ــ اليهودية ثم لاحقا للحضارات الشرقية البوذية والهندوسية والشنتوية حتى أصبحت الحضارة الإسلامية فى ذيل الأمم!
***
فى سلسلة مقالات متصلة أو متقطعة ــ حسب ظروف النشر ــ أقوم مع القارئ بقراءة بعض محطات التاريخ الإسلامى، قراءة تحاول تغطية التتابع الزمنى للتاريخ الإسلامى منذ القرن السابع الميلادى (مولد الرسالة الإسلامية) وحتى الربع الأول من القرن العشرين (نهاية الخلافة العثمانية)، هذه القراءة ستتبع ثلاثة قواعد أضعها الآن أمام القارئ كقواعد عامة لضبط قراءة تاريخ هو بطبيعته حساس ومحظور تداوله بأى شكل يتنافى مع القراءة السائدة.
قراءة نقدية: هذه قراءة نقدية للتاريخ الإسلامى هدفها الرئيسى فهم أهم محطات تطوره من خلال إخضاعه للرؤية والتحليل النقدى الذى يبحث عن الفهم عن طريق نزع القدسية عن الأشخاص والمؤسسات (باستثناء الرسل والأنبياء والكتب المقدسة) وعن طريق عدم الاعتراف بأى خطوط حمراء أو أى محاذير يحاول البعض فرضها لاحتكار السردية الإسلامية وهذا ما أسعى تحديدا لتخطيه وتجاهله.
قراءة سياسية: هذه قراءة سياسية، أى إنها ليست مجرد سرد لمجموعة من الأحداث المتتالية، ولكنها تبحث عن تتبع بعض القيم السياسة وأدوات الحكم ومؤسساته عبر التاريخ، ولاسيما الموضوعات المتعلقة بنظام الحكم الأبرز فى التاريخ الإسلامى (الخلافة)، وما هو مرتبط به من مؤسسات أخرى كالخليفة والإمام والبيعة...إلخ.
قراءة علمية: هذه قراءة علمية وليست دينية، تعتمد على ما هو متاح فى المكتبات العلمية من كتابات باللغتين العربية والإنجليزية سيتم الإشارة إليها فى حينها، وبالتالى فهى قراءة غير ملزمة بالقراءات والكتابات الدينية الإسلامية كما أنها ليست ملزمة بالمسلمات التراثية الإسلامية. القراءة العلمية هى قراءة بشرية قد تحتمل الصواب والخطأ ولكنها تحاول الالتزام بالمعايير العلمية لقراءة التاريخ فى محاولة لضبط عمليتى الاستنباط والاستدلال ومن ثم التوصل إلى خلاصات تدعى العلمية. هذا التناول العلمى يعنى أيضا أنه لا إجابات أو خلاصات محددة سلفا، لا تسعى هذه القراءة لإثبات أو دحض أى فرضية مسبقة ولا التوصل إلى نتيجة بعينها، فالقيم المعيارية البسيطة المطلقة مثل «سيئ» أو «جيد»، «عظيم» أو «حقير» فى وصف التاريخ الإسلامى وحضارته ليست من ضمن مفردات هذه القراءة النسبية.
أستاذ مساعد العلاقات الدولية الزائر، جامعة دنفر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved