في هجاء اليقين
دينا سمك
آخر تحديث:
الخميس 23 يناير 2014 - 2:40 م
بتوقيت القاهرة
"ماما هو الحشيش ينفع ناكله؟" هكذا سألت سارة وأنا أصفف شعرها استقبالا ليوم جديد.. بسرعة تمالكت نفسي قبل أن أبدأ في لعن اليوم اللى جبت فيه تليفزيون في غرفة نومها هروبًا من جرعة الكارتون، التي تصر أن نتعرض لها يوميًا معها صباحًا ومساء.
لحظات تخيلت أنها في غفلة منا شاهدت فيلم الكيف مثلا وأصبح رأسها الصغير ملئ بالأسئلة.. ببساطة سألت "إيه".. "الحشيس يا ماما اللى بيطلع في الارض وبياكله الخروف ليه ما ينفعش الإنسان ياكله؟".. نعم بهذه البساطة يمكن أن تختلف الإجابة مع اختلاف المفاهيم..
....
الدستور عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم مدته 30 سنة على الأقل، ولا يمكن الحكم عليه بمنطق إنه "أحسن من غيره" أو إنه "دستور على ما تُفرج" أو دستور قابل للتعدل في المستقبل، لهذا فأنا صوت ضد دستور موسى تمامًا كما وقفت لساعات لا تمكن من رفض دستور الغرياني..
لا الدستور جزء من اللعبة السياسية الحالية والتصويت عليه بنعم هو إعلان الموافقة على خارطة الطريق وعلى عزل الإخوان كقوة سياسية رجعية عرضت البلاد بل والثورة لتهديدات كنا في غنى عنها، ولا يمكن النظر له خارج هذا السياق..
لا يا راجل؟!
طبعا..
....
وقف ألكس شميت وسط الحاضرين في إحدى المؤتمرات ليؤكد أمامنا بكل فخر أن تعريفه للإرهاب والذي قدمه في عام 1988 لا يصلح تعريفًا جامعًا مانعًا، فالحقيقة الوحيدة المؤكدة هو أن الارهاب جريمة أما ما دون ذلك فلا يمكن البناء عليه لوضع تشريعات دولية ملزمة أو شبه ملزمة سواء للتعامل مع الظاهرة بالمنطق القانوني أو الاجتماعي، الذي يستهدف تجنب حدوثه أو انتشاره.
ألكس شميت الباحث الهولندي المعروف، والذي يعتبر من أهم الأكاديميين في مجال دراسات مكافحة الإرهاب في العالم قضى الجزء الأكبر من عمره، الذي يقرب من السبعين عامًا، في محاولة وضع تعريف للإرهاب، ولكنه وبعد أن شغل العديد من المناصب الأكاديمية وغير الأكاديمية في هذا المجال، ربما ليس أهمها رئاسة وحدة منع الإرهاب في مكتب مكافحة الجريمة والمخدرات بالأمم المتحدة، لم يشعر بالخجل أو يستشعر حرجًا في إعلان أنه لم يصل للحقيقة المطلقة.
بس الإخوان تنظيم إرهابي والحكومة المصرية تعرف ذلك جيدًا إلا أن رئيس الوزراء حازم الببلاوي تباطأ في اتخاذ الموقف المناسب، حتى أننا دفعنا ثمنًا غاليًا من حياة العشرات ليخرج هذا القرار. كان على الحكومة أن تدرك أننا نمر بظروف استثنائية وأن عليها أن تتخذ إجراءات استثنائية.
فعلا! .. لا تعليق
...
- 3 يوليو انقلاب عسكري مكتمل الأركان، فكيف يمكن للجيش أن يتدخل لعزل رئيس منتخب بهذه البساطة ثم يعين رئيسًا ويعلن عن خارطة طريق يقوم هو بتنفيذها.
- ولكن ألم يحدث نفس الشيء في 11 فبراير 2011؟ ألم يعزل الجيش رئيسًا أيضًا ويتولى هو زمام الأمور؟
- لا مجال للمقارنة طبعًا.. في 2011 كان الناس في الشارع!
- وفي 2013 كانوا بيصيفوا يعنى؟!
- ألا ترين أن الجيش لم يلتزم بما أعلنه في 3 يوليو وأنه يقتل ويقمع الناس كل يوم وليس فقط الإخوان المسلمين؟
- ألم يكن هذا هو الحال في مارس 2011؟ هل نسيت المحاكمات العسكرية ودم مينا ومايكل مصعب وضباط 8 إبريل؟
- هل توافقين على ما نمر به الآن؟ هل تؤيدين القمع والقتل وعودة الدولة البوليسية؟
- طبعًا لا ولكنى على يقين أن "الثورة ملهاش كتالوج"
...
في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية قبل عشر سنوات تقريبًا دار الحوار التالي بيني وبين أحد الأساتذة بالكلية..
- صباح الخير يافندم أنا باعمل الماجستير بتاعي عن نشأة وتطور الحركات الاجتماعية في ظل الأنظمة السلطوية وكنت عايزة نصيحة حضرتك إذا كان في حاجة اتعلمت حول الموضوع في السنوات الخمس الأخيرة عن مصر من قبل باحثين مصريين في هذا الصدد؟
- ومصر مالها؟
- أنا موضوع بحثي هو حركة دعم الانتفاضة في مصر.
- بس مصر مش نظام سلطوي.
- يا راجل.. يعنى مفيش حاجة اتكتبت!
بنفس الثقة يتحدث أستاذ العلوم السياسية هذه الأيام في الفضائيات عن استحالة عودة نظام مبارك السلطوي للحكم من جديد بعد 25 يناير و30 يونيو.. عالبركة!
لم يكن غريبًا أن يقول لي ريتشارد ساكوا منذ سنوات أثناء وجودي في جامعة كنت البريطانية، إنه لا يعرف تعريفا للديمقراطية حتى وإن نموذج الديمقراطية التمثيلية ليس ديمقراطيًا أبدًا، والسبب في عدم استغراب ما قاله ساكوا يومها هو أنه واحد من أهم الأكاديميين المتخصصين في دراسة التحول الديمقراطي في روسيا وأوروبا الشرقية ليس فقط في بريطانيا ولكن في العالم كله.
...
تدهشني حالة اليقين الذي يتعامل بها الجميع مع وضع عصي على الفهم نعيشه هذه الأيام دون محاولة لفهم الأطر المحددة له، كما يدهشني هذه الحالة من الاستسهال التى نتعامل بها مع أمور واضحة التعقيد وتناولها وكأنها مسلمات، على الرغم أن غيرنا ممن يعيشون في نصف الكرة الشمالي يمشون في شوارع مليئة بالأشجار ويحتكمون لقوانين تضمن لهم حدًا أدنى من الآدمية هم الاحق برفاهية الاستسهال، ورغم ذلك لم يلجأوا إليه.
إن ثنائية الأبيض والأسود مَن لم يكن معنا فهو ضدنا، اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ 11 سبتمبر 2001 ومازالت تدفع ثمنها حتى الآن "بعد ما دخلت ودخلت العالم كله في الحيط الحقيقة"!
العقل والتعقل والتفكير ومحاولة تحليل أين نحن وإلى أين نتجه وما الذي نريد أن نكونه ليس دربًا من دروب الرفاهية، بل هو الضرورة الحتمية الوحيدة التى ستخرجنا مما نحن فيه.
إننا لا نريد أن نتوقف عند أوضح الامور للتعامل مع تعقيداتها، ونعود ونتساءل بعد ذلك عن الجماهير أو الشعب، أين يقف وماذا يريد وكيف يمكن الاشتباك مع تطلعاته وأحلامه، ليس غريبًا إذًا أن ينصب كل منا نفسه متحدثًا رسميًا باسم "الناس اللى تعبت، والناس اللى بتكره الإخوان، والناس اللي مش ممكن تسكت على الوضع ده، والناس اللى نسيت إنها ناس بتنداس وتنضرب بالمداس ومش ممكن ترجع للذل تاني".