نبذة عن تاريخ السياحة بمصر
محمود عبد المنعم القيسونى
آخر تحديث:
الإثنين 23 فبراير 2026 - 5:40 م
بتوقيت القاهرة
أول نشاط سياحى لمصر بدأ عام ١٥٨١ عندما تأسست شركة ببريطانيا لتنظيم رحلات إلى مصر بأوامر من الملكة إليزابيث لهذا الغرض، وبدأ وصول راغبى الاستشفاء والباحثين والسياح والمؤرخين، وبالتدريج تزايد هذا النشاط حتى بلغ أوجه عام ١٨٦٩. اشتهرت مصر بسياحة الاستشفاء لمناخها الرائع النقى ومناظرها الخلابة وعادات وتقاليد وكرم أهلها، وهناك العديد من الكتب القديمة التى تسرد هذا الواقع مثل كتاب الليدى دف، وكتاب فلورنس نيتنجيل، وكتاب «عادات وتقاليد المصريين» لإدوارد لان.
عام ١٩٠٩ أسس الأمير فؤاد، والذى أصبح ملك مصر فيما بعد، جمعية لترغيب السياح فى زيارة مصر، ما أدى إلى زيادة عدد السياح من خمسة آلاف سنويًا إلى خمسة عشر ألفًا، كما طالت مدة إقامتهم بمصر. ثم تطورت السياحة فى نهاية الربع الأول من القرن الماضى إلى سياحة ثقافية باكتشاف كنوز توت عنخ آمون فى نوفمبر ١٩٢٢ بالأقصر، ثم اكتشاف كنوز تانيس عام ١٩٣٩ المذهلة بمحافظة الشرقية (صان الحجر)، والتى لم تأخذ حقها فى التغطية الإعلامية لا محليًا ولا دوليًا رغم كم الذهب وجمال كنوزها، وذلك بسبب اشتعال الحرب العالمية الثانية. كما نشطت السياحة النيلية الجميلة.
كاتب السطور التالية شاهد على كل التطورات التالية، وتعامل بشكل مباشر وشخصى مع السادة وزراء السياحة منذ عام ١٩٧٥ عندما توليت، كضابط بالقوات المسلحة، مهمة استقبال وزراء حربية العالم والوفود العسكرية رفيعة المستوى الذين توافدوا على مصر لزيارة جبهة قناة السويس للتعرف على مواقع العبور والمعارك، والتى صعقت العالم بفضل التخطيط المحكم والعبقرى الذى وضعه الفريق سعد الشاذلى رحمه الله، ووضع برامج الزيارات المطعمة بزيارات سياحية للمواقع الأثرية مع الإشراف المباشر على التنفيذ. وبعد انتقالى للحياة المدنية فى يوليو من عام ١٩٧٧ مثلت مصر فى عدة مؤتمرات ومنظمات سياحية دولية.
عام ١٩٧٥ صدر قرار جمهورى بتشكيل المجلس الأعلى للسياحة لثقل هذا النشاط على الدخل القومى، لتمر عشرات السنين على السياحة المصرية من التجاهل والإحباطات المؤسفة. وبنهاية القرن الماضى بدأت مصر تحتل مكانة خاصة فى السياحة البيئية (الغوص – السفارى ورحلات عمق الصحراء وزيارة المحميات)، مع الإشارة إلى أنه بين الحين والآخر يتم الإعلان عن كشف أثرى هائل يحدث دويًا عالميًا، مثل اكتشاف جبانة بناة أهرامات الجيزة ووادى المومياوات الذهبية بالواحات البحرية أواخر القرن الماضى، واكتشاف بقايا سفن البعثات التجارية الفرعونية مع بلاد بونت (الحبشة) أول يونيو ٢٠٠٥ جنوب سفاجا بالبحر الأحمر، وحفريات الحوت العملاق ذى الأرجل بوادى الحيتان بالفيوم، وحفريات الديناصورات العملاقة بالواحات البحرية.
عام ٢٠٠٧ صدر قرار بتشكيل غرفة لسياحة الغوص حققت إنجازات رائعة على الساحة الدولية، وحصول مصر على المركز الأول على مستوى العالم ثلاث سنوات متتالية كأفضل مراكز للغوص السياحى مكتملة الخدمات والتجهيزات والالتزام بكامل الشروط الدولية لأمن السياح الغواصين، ومراكز التدريب البالغة التطور. مع وجوب تسجيل أن أفضل وزير للسياحة حقق العديد من الإنجازات، والتى كان لها الفضل فى تحقيق أكبر دخل من العملات الأجنبية لخزانة مصر، كان السيد زهير جرانة. كانت الآمال مشرقة، والتطلعات واعدة، والإنجازات هائلة لا حدود لها فى صناعة السياحة المصرية، لكن للأسف، فى سابقة لم تحدث فى دول العالم أجمع، توالت القيود على حرية الحركة والاشتراطات اللامعقولة المعجزة والرسوم الجهنمية المبالغ فيها وغير الدستورية، والتدخلات الخانقة على نشاطات السياحة البيئية من معظم وزارات الدولة، وبالتدريج منذ عام ٢٠٠٧ ما أدى إلى خسائر فادحة وإفلاس عدد من الشركات التى شرفت السياحة المصرية وحققت نجاحات وإنجازات فى مجال تخصصها.
ثم صدر قرار بحل المجالس المنتخبة بالاتحاد المصرى للغرف السياحية وتعيين مجالس تسيير الأعمال، ما كان له توابع بالغة السلبية على النشاط السياحى، مع ظهور عوامل سلبية عدة فى أساسيات داعمة لاستدامة النشاطات السياحية مثل تدهور المحميات الطبيعية، والاعتداءات اليومية على كنوزها، وعدم استكمال إعلان باقى المحميات التى أعلنت عنها مصر دوليًا، وكارثة الصيد الجائر المتفاقم والذى كان الإخوة العرب أكبر مسبب لها، وكانت ذات توابع بالغة السلبية محليًا ودوليًا.
ومع كل هذه التطورات، تجمع عدد من شباب مصر الوطنى المثقف والمؤمنين بثقل صناعة السياحة والسياحة البيئية ليتفقوا على تجميع كامل المعلومات المرتبطة بكنوز مصر الطبيعية، ليبتكروا أفكارًا ومشاريع رائعة تحقق مصادر رزق للمجتمعات النائية مثل الجزر النيلية خلف سد أسوان وبواحات الصحراء الغربية، وتحويل الإمكانيات الطبيعية المحيطة بهم إلى مصادر رزق مستديمة مع الحفاظ على بيئتهم بل وتنميتها من أجل الأجيال القادمة. وقد شرفونى بزمالتهم ومتابعة أفكارهم وإنجازاتهم، بالإضافة إلى افتتاح المتحف المصري الكبير أول شهر نوفمبر الماضي وتوابعه الرائعة على صناعة السياحة المصرية.
من جميع أجهزة الدولة دعم السياحة ورفع كامل القيود عنها، فإمكانيات مصر من تاريخ وطبيعة وبشر لا مثيل لها فى العالم. وأكرر بثقة وإيمان أنه لا مثيل لها فى العالم أجمع، مع تكرارى للجملة التى نشرتها فى معظم مقالاتى من أن السياحة طوق النجاة للدخل القومى. والحمد لله على كل هذه النعم التى تزخر بها أرض مصر.
المستشار السابق لوزير السياحة ووزيرة البيئة