روسيا والسعودية.. مفتاحا الحل فى سوريا

رابحة سيف علام
رابحة سيف علام

آخر تحديث: الأربعاء 23 مارس 2016 - 10:13 م بتوقيت القاهرة

يبدو فى الأفق ملامح طريق لوقف العنف فى سوريا والتحول إلى حل سياسى يُنهى الصراع الذى بدأ ثورة قبل خمس سنوات ثم انزلق إلى حرب شعواء. تعدد الأطراف الضالعة فى الشأن السورى يُصعب مسألة حسمه، إذ من غير المتوقع أن تتلاقى إرادات مختلف الأطراف فى نفس اللحظة لحسم الصراع. ولكن يبدو للدورين الروسى والسعودى نفوذا خاصا على المشهد السورى اليوم.
  
روسيا التى حركت الفيتو لحماية نظام الأسد بمجلس الأمن لسنوات، دون أن تتدخل مباشرة وعسكريا على الأرض لإنقاذه إلا فى الخريف الماضى، أصبح دورها متغيراً مستقلاً تتبعه مختلف الأطراف وتتحرك على أساس تحركاته. والسعودية التى احتضنت المعارضة السورية وحرصت على تزويدها بالدعم والتمويل والتنسيق كى تتبلور بوفد موحد للمعارضة بمحادثات جنيف الجارية، ثم تفرغت لخنق إيران وأذرعها الإقليمية. ورغم انتماء الروس والسعوديين إلى معسكرين متنافسين فى الصراع السورى، يبدو أن التوافق بينهما قد يكون مفتاح الحل القادم فى سوريا.
  

***
تتمتع روسيا فى المنطقة الآن بحرية حركة كبيرة وتمتلك زمام المبادرة، فحين شاءت تدخلت عسكريا وأطلقت نيرانها فى كل الاتجاهات لتشمل الجماعات المتشددة والمجموعات المعتدلة على حد سواء.
  
وأتت على ما تبقى من مرافق حيوية وبنية تحتية بالمناطق المحررة، لتضمن عقود إعادة إعمار جديدة لشركاتها. وعززت من خبرتها بالأراضى السورية واختبرت جملة من الأسلحة والذخائر الجديدة وخطط الانتشار لقواتها ودقة وجهوزية طيرانها الحربى. فضلا عن قيامها بالتواصل المباشر مع المئات من القيادات المحلية تمهيدا لخلق شبكة موالية لها على الأرض أو على الأقل مستعدة للتفاوض معها حين يلزم الأمر.
  
وعندما أيقنت أن النظام السورى قد نجا من فخ العزلة فى الجيب الساحلى العلوى، كما كانت تخطط له المعارضة المسلحة، قررت أن تـُفسح المجال للتفاوض السياسى بعد أن أصبح الطرفان شبه متساويين استراتيجيا على الأرض، وباشرت سحبا جزئيا لقواتها من سوريا.
  

أما السعودية من جهتها، فقد عززت من وضعها الإقليمى عبر اتخاذ زمام المبادرة بل والمفاجأة، فى باحتها الخلفية، اليمن، حيث اختبرت قواتها المسلحة والجوية. فيما اعتمدت فى سوريا سياسة دعم المعارضة بالسياسة وعلى الأرض، والمغالاة فى خلق كيانات معارضة قريبة من الرياض لتضمن ولاءها التام. وفيما كان الغرب خاصة الولايات المتحدة، يخفف من وطأة العقوبات الاقتصادية على إيران بموجب الاتفاق النووى، كانت السعودية تباشر خطتها الجديدة لخنق إيران إقليميا.
  
وما كانت محاولة إدراج حزب الله على قوائم الإرهاب على المستوى العربى إلا البداية لذلك، الأمر الذى قد يستمر ليصل إلى حملة واسعة لطرد الرعايا اللبنانيين ذوى العلاقة بالحزب من دول الخليج. كى ترتفع كُلفة دعم الحزب على محازبيه، وتنحسر موارده ضمن إيران دون التغلغل فى الأوساط الخليجية.
  
الخطة السعودية ليست كاملة الوضوح، ولا يُعرف منها أين وكيف ستنتهى، فالتلويح بالتدخل العسكرى البرى فى سوريا، قد لا يكون جديا ولكنه كان نوعا ما باعثا إضافيا للمضى بجدية فى طريق جنيف. فعندما تهدد السعودية بأمر كهذا، قد يستهين به البعض، ولكنه قد يكون جديا بحق نظرا للتوجهات السعودية الجديدة نحو الحسم العسكرى وإدارة سياسة هجومية نشطة لاقتناص النقاط بالمنطقة.
  
لا أحد يمكنه توقع الخطوة السعودية القادمة، ومن ذلك مثلاً احتمال عقد صفقة روسية سعودية حول سوريا. فمن المعروف أن الجانبين قد دخلا فى مفاوضات لشهور، قبل أن تعلن روسيا تدخلها العسكرى فى سوريا فى سبتمبر الماضى.
  
الأمر الذى تم تفسيره حينها بأن المفاوضات لم تتوصل لصفقة مُرضية للروس، فقرروا التوغل بعمق فى سوريا لجمع المزيد من أوراق الضغط بهذا الشأن. وربما وفق ذات المنطق، يمكن قراءة الانسحاب الروسى، باعتباره جولة جديدة من المفاوضات بين الجانبين الروسى والسعودى ضمن صفقة أكبر تشمل سوريا واليمن، والسياسة النفطية السعودية وربما خطط الإعمار فى سوريا الجديدة بعد جنيف.
  

***
الأوربيون، الأكثر انزعاجا من طول أمد الصراع بعد وصول اللاجئين إلى شواطئهم، يدعمون إنهاء الصراع بأى وسيلة وفى أقرب فرصة. فيما لا يمكن التقليل من شأن الإرادة الإيرانية والتركية والأمريكية فى الملف السورى، فضلاً عن مراوغة نظام الأسد نفسه وطموح قوى المعارضة المختلفة. ولكن الإرادة الروسية والسعودية لهما اليد الطولى بكل تأكيد.
  
فإدارة أوباما تبحث عن أى انجاز يُذكر لها قبل انتهاء ولايته، وتطمح فى شراكة جادة مع الروس فى هذا الشأن لإنقاذها، تماما كما أنقذوها من قبل من تنفيذ تهديد الخطوط الحمراء بالاتفاق الكيماوى فى خريف 2013. أما إيران فقد تراجعت قوتها النسبية فى سوريا عقب التدخل الروسى، وصار للروس الكلمة العليا على الأرض عبر قيادة العمليات الجوية والتدخل من منطلق الإملاء على الجميع وليس المشاركة بالقرار. فيما تتعثر تركيا بسياسة قومية هجومية أغرقتها فى تفجيرات كردية فى العمق التركى، بدلاً من أن تتفرغ لحماية حدودها الطويلة مع سوريا.
  
وفى ظل هذا المشهد، عندما يتلاقى الوفدان بجنيف، نظام ومعارضة، يصبح بيد الروس والسعوديين الضغط على وكلائهم للتقدم بالمفاوضات أو بالتلكؤ فيها أو حتى نسفها. وهنا يمكن استشراف إمكانية التوافق المحتمل بين الروس والسعوديين، خاصة عبر الالتزام المدهش للمعارضة بالهدنة المعلنة رغم الخروقات الكثيرة للنظام.
  
ثم عبر الإعلان عن الانسحاب الروسى المفاجئ بعد ساعات من تصريحات عنيدة للنظام السورى ترفض جوهر المفاوضات وهو بند هيئة الحكم الانتقالية. ولذا يبدو إبرام الحل فى سوريا بيد الثنائى الروسى السعودى قبل غيرهما، أما إرادة إنفاذ الحل، فتكمن فى مدى قدرتهما على ضبط حلفائهما، سواء إيران ونظام الأسد أو بقاياه من جهة روسيا، وتركيا وأمريكا وفصائل المعارضة من جهة السعودية.
  
ولذا تتزامن مع المفاوضات الرسمية بجنيف بين الفريقين، مفاوضات مماثلة بالكواليس داخل كل فريق لإعادة ترتيب الوضع فى حال التوصل لاتفاق.


باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved